مناشط دعوية

كلمات توجيهية
محاضرات
دروس علمية
خطب الجمعة
قبسات دعوية
صلاة الاستخارة
شرائد الفوائد
مسائل
سجود التلاوة
تغريدات
قناتنا الرسمية على الانستجرام
شرح الموقظة
فوائد حديثية
مقالات
  • الحكمة من تخلية الله سبحانه وتعالى بين العبد وبين الذنوب.
  • الحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله ، وعلى آله وصحبه .
    أما بعد.
    فقرأت اليوم للإمام ابن القيم رحمه الله هذه الكلمات النيرات، ومدارها على عبدٍ خلَّى الله تعالى بينه وبين ذنوبه، فوقع فيها وارتكب ما حرمه الله عليه، ثم بعد ذلك تاب إلى الله وأناب إليه، وخشيه في السر والعلن، وخاف على نفسه أن يعاقبه الله تعالى على هذه الذنوب، فندم أشد الندم، وإن بعض إخواننا وأخواتنا، ممن يخافون الله تعالى قد تجلب لهم مثل هذه الذنوب النكد والهم والغم، والتحسر الشديد، فهذه الكلمات خطاب لهم.
    أما الإخوة والأخوات الذين لا يبالون بالذنوب ولا يعرفون لها قدر، وقد نزع الله من قلوبهم الخشية والرحمة والخوف ، فهؤلاء لا سبيل لهم في هذه الكلمات، هدانا الله وإياهم لكل خير، وهذه مقدمة بين كلام ابن القيم رحمه الله حتى لا يفهمه أحد أنه دعوة للوقوع في الذنوب والمعاصي ، والله أعلم.
    ** قال ابن القيم رحمه الله في كتابه الماتع " طريق الهجرتين" ص(286- 292):" الحكمة في تخلية الله سبحانه وتعالى بين العبد وبين الذنب وإقداره عليه وتهيئة أسبابه له وأنه لو شاء لعصمه وحال بينه وبينه، ولكنه خلى بينه وبينه لحكم عظيمة لا يعلم مجموعها إلا الله:
    * أحدها:  أنه يحب التوابين ويفرح بتوبتهم، فلمحبته للتوبة وفرحه بها قضى على عبده بالذنب ثم إذا كان ممن سبقت له العناية قضى له بالتوبة.
    * الثاني: تعريف العبد عزة الله سبحانه في قضائه ونفوذ مشيئته وجريان حكمه.
    *الثالث: تعريفه حاجته إلى حفظه وصيانته وأنه إن لم يحفظه ويصنه فهو هالك ولا بد والشياطين قد مدت أيديها إليه تمزقه كل ممزق.
    *الرابع: استجلابه من العبد استعانته به واستعاذته به من عدوه وشر نفسه ودعائه والتضرع إليه والابتهال بين يديه.
    *الخامس: إرادته من عبده تكميل مقام الذل والانكسار فإنه متى شهد صلاحه واستقامته شمخ بأنفه وظن أنه وأنه فإذا ابتلاه بالذنب تصاغرت عنده نفسه وذل وتيقن وتمنى أنه وأنه.
    *السادس: تعريفه بحقيقة نفسه وأنها الخطاءة الجاهلة وأن كل ما فيها من علم أو عمل أو خير فمن الله مَنَّ به عليه لا من نفسه.
    *السابع: تعريفه عبده سعة حلمه وكرمه في ستره عليه فإنه لو شاء لعاجله على الذنب ولهتكه بين عباده فلم يصف له معهم عيش.
    *الثامن: تعريفه أنه لا طريق إلى النجاة إلا بعفوه ومغفرته.
    *التاسع: تعريفه كرمه في قبول توبته ومغفرته له على ظلمه وإساءته.
    *العاشر: إقامة الحجة على عبده فإن له عليه الحجة البالغة فإن عذبه فبعدله وببعض حقه عليه بل باليسير منه.
    *الحادي عشر: أن يعامل عباده في إساءتهم إليه وزلاتهم معه بما يجب أن يعامله الله به فإن الجزاء من جنس العمل، فيعمل في ذنوب الخلق معه ما يحب أن يصنعه الله بذنوبه.
    *الثاني عشر: أن يقيم معاذير الخلائق وتتسع رحمته لهم مع إقامة أمر الله فيهم فيقيم أمره فيهم رحمة لهم لا قسوة وفظاظة عليهم.
    *الثالث عشر: أن يخلع صولة الطاعة والإحسان من قلبه فتتبدل برقة ورأفة ورحمة.
    *الرابع عشر: أن يعريه من داء العجب بعمله كما قال النبي «لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أشد منه العجب» أو كما قال.
    *الخامس عشر: أن يعريه من لباس الإدلال الذي يصلح للملوك ويلبسه لباس الذل الذي لا يليق بالعبد سواه.
    *السادس عشر: أن يستخرج من قلبه عبوديته بالخوف والخشية وتوابعهما من البكاء والإشفاق والندم.
    *السابع عشر: أن يعرف مقداره مع معافاته وفضله في توفيقه وعصمته فإن من تربى في العافية لا يعرف ما يقاسيه المبتلى، ولا يعرف مقدار العافية.
    *الثامن عشر: أن يستخرج منه محبته وشكره لربه إذا تاب إليه ورجع إليه فإن الله يحبه ويوجب له بهذه التوبة مزيد محبة وشكر ورضا لا يحصل بدون التوبة وإن كان يحصل بغيرها من الطاعات أثر آخر لكن هذا الأثر الخاص لا يحصل إلا بالتوبة.
    *التاسع عشر: أنه إذا شهد إساءته وظلمه واستكثر القليل من نعمة الله لعلمه بأن الواصل إليه منها كثير على مسيء مثله فاستقل الكثير من عمله لعلمه بأن الذي يصلح له أن يغسل به نجاسته وذنوبه أضعاف أضعاف ما يفعله فهو دائما مستقل لعمله كائنا ما كان ولو لم يكن في فوائد الذنب وحكمه إلا هذا وحده لكان كافيا.
    *العشرون: أنه يوجب له التيقظ والحذر من مصايد العدو ومكايده ويعرفه من أين يدخل عليه وبماذا يحذر منه كالطبيب الذي ذاق المرض والدواء.
    *الحادي والعشرون: أن مثل هذا ينتفع به المرضى لمعرفته بأمراضهم وأدوائها.
    *الثاني والعشرون: أنه يرفع عنه حجاب الدعوى ويفتح له طريق الفاقة فإنه لا حجاب أغلظ من الدعوى ولا طريق أقرب من العبودية فإن دوام الفقر إلى الله مع التخليط خير من الصفاء مع العجب.
    *الثالث والعشرون: أن تكون في القلب أمراض مزمنة لا يشعر بها فيطلب دواءها فيمن عليه اللطيف الخبير ويقضي عليه بذنب ظاهر فيجد ألم مرضه فيحتمي ويشرب الدواء النافع فتزول تلك الأمراض التي لم يكن يشعر بها ومن لم يشعر بهذه اللطيفة فغلظ حجابه كما قيل:
     لعل عتبك محمود عواقبه *** وربما صحت الأجسام بالعلل .
    *الرابع والعشرون: أنه يذيقه ألم الحجاب والبعد بارتكاب الذنب ليكمل له نعمته وفرحه وسروره إذا اقبل بقلبه إليه وجمعه عليه وأقامه في طاعته فيكون التذاذه في ذلك بعد أن صدر منه ما صدر بمنزلة التذاذ الظمآن بالماء العذب الزلال، والشديد الخوف بالأمن، والمحب الطويل الهجر بوصل محبوبه، وإن لطف الرب وبره وإحسانه ليبلغ بعبده أكثر من هذا فيا بؤس من أعرض عن معرفة ربه ومحبته.
    *الخامس والعشرون: امتحان العبد واختباره هل يصلح لعبوديته وولايته أم لا فإنه إذا وقع الذنب سلب حلاوة الطاعة والقرب ووقع في الوحشة فإن كان ممن يصلح اشتاقت نفسه إلى لذة تلك المعاملة فحنت وأنَّت وتضرعت واستعانت بربها ليردها إلى ما عودها من بره ولطفه وإن ركنت عنها واستمر إعراضها ولم تَحنُّ إلى تعهدها الأول ومألوفها ولم تحسن بضرورتها وفاقتها الشديدة إلى مراجعة قربها من ربها علم أنها لا تصلح لله وقد جاء هذا بعينه في أثر إلهي لا أحفظه.
    *السادس والعشرون: أن الحكمة الإلهية اقتضت تركيب الشهوة والغضب في الإنسان أو بعضها ولو لم يخلق فيه هذه الدواعي لم يكن إنسانا بل ملكا فالذنب من موجبات البشرية كما أن النسيان من موجباتها كما قال النبي :«كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون» ولا يتم الابتلاء والاختبار إلا بذلك والله أعلم.
    * السابع والعشرون: أن ينسيه رؤية طاعته ويشغله برؤية ذنبه فلا يزال نصب عينيه فإن الله إذا أراد بعبد خيرا سلب رؤية أعماله الحسنة من قلبه والإخبار بها من لسانه وشغله برؤية ذنبه فلا يزال نصب عينيه حتى يدخل الجنة فإن ما تقبل من الأعمال رفع من القلب رؤيته ومن اللسان ذكره.
     وقال بعض السلف:" إن العبد ليعمل الخطيئة فيدخل بها الجنة ويعمل الحسنة فيدخل بها النار، قالوا كيف؟ قال: يعمل الخطيئة فلا تزال نصب عينيه إذا ذكرها ندم واستقال وتضرع إلى الله وبادر إلى محوها وانكسر وذل لربه وزال عنه عجبه وكبره، ويعمل الحسنة فلا تزال نصب عينيه يراها ويمن بها ويعتد بها ويتكبر بها حتى يدخل النار".
    *الثامن والعشرون: أن شهود ذنبه وخطيئته يوجب له أن لا يرى له على أحد فضلاً ولا له على أحد حقاً فإنه إذا شهد عيب نفسه بفاحشة وخطأها وذنوبها لا يظن أنه خير من مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، وإذا شهد ذلك من نفسه لم ير لها على الناس حقوقاً من الإكرام يتقاضاهم إياها ويذمهم على ترك القيام بها فإنها عند أخس قدرا وأقل قيمة من أن يكون لها على عباد الله حقوق يجب مراعاتها أو لها عليهم فضل يستحق أن يلزموه لأجله فيرى أن من سلم عليه أو لقيه بوجه منبسط قد أحسن إليه وبذل له ما لا يستحقه فاستراح في نفسه، واستراح الناس من عتبه وشكايته فما أطيب عيشه وما أنعم باله وما أقر عينه، وأين هذا ممن لا يزال عاتبا على الخلق شاكيا ترك قيامهم بحقه ساخطا عليهم وهم عليه أسخط فسبحان ذي الحكمة الباهرة التي بهرت عقول العالمين.
    *التاسع والعشرون: أنه يوجب له الإمساك عن عيوب الناس والفكر فيها فإنه في شغل بعيبه ونفسه وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وويل لمن نسي عيبه وتفرغ لعيوب الناس، فالأول علامة السعادة، والثاني علامة الشقاوة.
    *الثلاثون: أنه يوجب له الإحسان إلى الناس والاستغفار لإخوانه الخاطئين من المؤمنين فيصير هجيرِّاه "رب اغفر لي ولوالدي وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات"، فإنه يشهد أن إخوانه الخاطئين يصابون بمثل ما أصيب به ويحتاجون إلى مثل ما هو محتاج إليه فكما يحب أن يستغفر له أخوه المسلم يحب أن يستغفر هو لأخيه المسلم.
     وقد قال بعض السلف:" إن الله لما عتب على الملائكة في قولهم {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} وامتحن هاروت وماروت جعلت الملائكة بعد ذلك تستغفر لبني آدم ويدعون الله لهم.
    *الحادي والثلاثون: أنه يوجب له سعة إبطائه وحلمه ومغفرته لمن أساء إليه فإنه إذا شهد لنفسه مع ربه سبحانه مسيئا خاطئا مذنبا مع فرط إحسانه إليه وبره وشدة حاجته إلى ربه وعدم استغنائه عنه طرفة عين، وهذا حاله مع ربه فكيف يطمع أن يستقيم له الخلق ويعاملوه بمحض الإحسان وهو لم يعامل ربه بتلك المعاملة وكيف يطمع أن يطيعه مملوكه وولده وزوجته في كل ما يريد وهو مع ربه ليس كذلك وهذا يوجب أن يغفر لهم ويسامحهم ويعفو عنهم ويغضي عن الاستقصاء في طلب حقه قبلهم". ص(286-292).
    هذا والله أسأل أن يرزقنا التوبة وقبولها، والعمل الصالح وقبوله، وأن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا من عباده المخلصين، وحزبه المفلحين، وأوليائه الصالحين، إنه بر رحيم، وصلى الله وسلم وبارك على الرسول الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    كتبه أخوكم
    محمد بن صلاح الصيرفي.
    غفر الله له ولوالديه وللمسلمين.
    13 صفر 1433هـ
    7 يناير 2012م

    التفاصيل
    0
    545
  • من أسباب الانتكاس بعد الهداية
  • من أسباب الانتكاس بعد الهداية:
    1- عدم سؤال الله الثبات على الحق.
    2- عدم شكر الله على نعمة الهداية.
    وقد شرع الله لنا يوميا قراءة سورة الفاتحة المتضمنة سؤال الله الهداية في قوله تعالى { اهدنا الصراط المستقيم}، وفي قوله تعالى {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} سؤال الله الثبات على الهداية.
    وقد ذكر الله تعالى حال أهل الجنة عندما دخلوها بقولهم {الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون}
    وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح صلاة الليل بقوله « اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم».
    وكان يكثر من قول : «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».
    فتنبهوا يا عباد الله لهذه المعاني ولا يشغلنكم الشيطان عنها بغفلة أو إعراض.
     هدانا الله وإياكم لكل خير، وثبتنا عليه حتى نلقاه.

    التفاصيل
    0
    536
  • وقفة مع قوله تعالى:{ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب}.
  • الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.

    أما بعد.

    فإن المسلم منا ينبغي له أن يحافظ على أوقات عمره فيما ينفعه في دينه أو دنياه، فليس في حياة المسلم وقت يسمى وقت فراغ، بل يؤمن المسلم أنه محاسب عن كل وقته، عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعلى هذا لابد أن يعد للسؤال جواباً، ولابد أن يكون الجواب صواباً.

    ولذلك أرشد الله سبحانه وتعالى كل مسلم في شخص النبي صلى الله عليه وسلم باغتنام أوقات العمر في الطاعة، لتكون حياته كلها طاعة تتبعها طاعة حتى يلقى الله وهو في طاعة.

    يقول سبحانه وتعالى:{فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب}.

    أمر الله تعالى نبيه أن يجعل فراغه من كل ما كان به مشتغلا ، من أمر دنياه وآخرته، مما أدى له الشغل به، وأمره بالشغل به إلى النصب في عبادته، والاشتغال فيما قربه إليه، ومسألته حاجاته، ولم يخصص بذلك حالا من أحوال فراغه دون حال ، فسواء كل أحوال فراغه ، من صلاة كان فراغه ، أو جهاد ، أو أمر دنيا كان به مشتغلا، لعموم الشرط في ذلك ، من غير خصوص حال فراغ ، دون حال أخرى.

    وقوله : {وإلى ربك فارغب}، أي وإلى ربك يا محمد فاجعل رغبتك ، دون من سواه من خلقه ، إذ كان هؤلاء المشركون من قومك قد جعلوا رغبتهم في حاجاتهم إلى الآلهة والأنداد.

    فلابد لقبول العمل أن يكون لله خالصاً، ولا رغبة في قلب العبد إلا الله تعالى.

    يقول جل وعلا:{فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحدا}.

    والعمل الصالح أن يكون لله خالصاً، وأن يكون وفق سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

    بارك الله لي ولكم في أعمارنا، وجعلها زاداً لنا في حسن القدوم عليه، وأسأله أن يبارك في أيامنا، وأعمالنا وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم.

    والحمد لله رب العالمين.

    التفاصيل
    0
    481
  • مقصود الصلاة تعظيم الله جل وعلا
  • اعلم أن المقصود بالصلاة إنما هو تعظيم المعبود وهو الله جل وعلا، وتعظيمه لا يكون إلا بحضور القلب.
    وقد كان السلف رحمهم الله فيهم من يتغير لونه إذا حضرت الصلاة، ويقول :" أترون بين يدي من أريد أن أقف".
    فإذا أردت استجلاب حضور قلبك الغائب في أودية الدنيا ففرغه من الشواغل كلها مهما استطعت.
    واعلم أن إضاعة الصلاة أعظم من إضاعة خزائن الأموال والضيعات وجميع أمتعة الدنيا.
    وقد كان السلف أرباب التفكر يشاهدون في كل شيء عبرة.
    فيذكرون بالأذان : نداء العرض على الجبار.
    وبطهارة البدن: تطهير القلب من الكبر والحسد والغل والحقد والرياء والظن السيء.
    ويذكرون بستر العورة: ستر القبائح من عيوب الباطن.
    وباستقبال القبلة : صرف القلب إلى مقلب القلوب، سبحانه وتعالى،
    فمن لم تكن له صلاة كذلك فهو غافل.
    أعاذنا الله وإياكم من الغفلة.
    وبارك في الجميع، وعلمنا ما ينفعنا.

    التفاصيل
    0
    528
  • وجعل بينكم مودة ورحمة
  • الحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.

    أما بعد.

    فقال تعالى :{ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}.

    قوله تعالى {مودة ورحمة}، قال أهل التفسير في معناها أربعة أقوال:

    أحدها: أن المودة المحبة، والرحمة والشفقة ، قاله السدي .

    الثاني: أن المودة الجماع، والرحمة الولد ، قاله الحسن.

    الثالث: أن المودة حب الكبير، والرحمة الحنو على الصغير، قاله الكلبي .

    الرابع: أنهما التراحم بين الزوجين ، قاله مقاتل .

    وهذا الحب الذي قذفه الله تعالى بين الزوجين، لا يكون قبل الزواج بمثل ما يكون بعده، فإن قبل الزواج وهو محبة الشاب لفتاة لا يحل له النظر إليها، وهو غير جائز شرعا أن يعلق قلبه بما لا تحل له، وكذلك هو من خطوات الشيطان التي أمرنا الله تعالى بعدم اتباعها، فقال جل وعلا {ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين}.

    أي أظهر لكم عداوته، فلا يدلكم على خير، إنما يرشدكم لكل سوء وشر، يكون سببا لغضب الله تعالى عليكم.

    فهذا لا يسمى حباً، وإن سماه أصحابه حبا وعشقاً.

    إنما الحب الذي يثمر المودة، والألفة بين الشاب والفتاة هذا لا يكون إلا بعد الزواج ، كما قال تعالى {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا} أي زوجة، {لتسكنوا إليها وجعل بينكم} أي بين الزوجين {مودة ورحمة}.

    وهذا أمر مجرب، وكل من تزوج يعلم الفرق الكبير بين هذا الحب، وذاك الإعجاب الذي يكون قبل الزواج.

    فأقول لإخواني: الشباب والفتيات، إن ما تشعرون به قبل الزواج كل منكم تجاه الآخر، هذا ليس حبا إنما هو مجرد إعجاب.

    وكم تعلق قلب فتاة بشاب، وكانت تحلم أن يتزوجها، فقدَّر الله لها أن تتزوج من غيره، فكان خيرا لها في دينها ودنياها، وإذا تأملت واقعها وحالها مع ذاك الشاب حمدت الله أنها لم تتزوجه.

    لذلك أقول لإخواني: اسألوا الله من فضله، وقولوا اللهم ارزقنا زوجا أو زوجة تقر بها أعيننا، وترضى بها عنا.

    ودعوكم من خطوات الشيطان، وتعلق القلب بما لا يحل له، فإنه لا نفع فيه.

    بارك الله فيكم.

    كتبه أخوكم

    محمد بن صلاح الصيرفي

    10/ 7 / 2012م

    التفاصيل
    0
    535
  • عمر الإنسان ميدان لأعماله الصالحة
  • عمر الإنسان ميدان لأعماله الصالحة المقربة له إلى الله تعالى والموجبة له الثواب في الدار الآخرة .
    وهذه هي السعادة التي يكدح العبد ويسعى من أجلها وليس له منها إلا ما سعى ، كما قال تعالى :{ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}.

    فكل جزء يفوت من العمر خاليا من العمل الصالح يفوته من السعادة بقدره، ولا عوض له منه.
    ولهذا عظمت مراعاة السلف الصالح لأنفاسهم ولحظاتهم وبادروا إلى اغتنام أوقاتهم وساعاتهم، ولم يضيعوا أعمارهم في البطالة والتقصير، ولم يقنعوا من أنفسهم لمولاهم إلا بالجد والاجتهاد والتشمير.
    فهل لكم فيهم أسوة؟!

    وفقنا الله وإياكم لكل خير.

    كتبه أخوكم

    محمد بن صلاح الصيرفي

    10 / 7 / 2012م

    التفاصيل
    0
    431
شرائد الفوائد
  • لا تدفعوا عذاب الله بأيديكم
  • كان الحسن البصري يقول :"إن الحَجّاج عذاب الله، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم، ولكن عليكم بالاستكانة والتضرع ، فإن الله تعالى يقول :{وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} المؤمنون / 76 .

    وكان طلق بن حبيب يقول : "اتقوا الفتنة بالتقوى، فقيل له : أجمل لنا التقوى . فقال : أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو رحمة الله ، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عذاب الله " رواه أحمد وابن أبي الدنيا.

    وكان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة، كما كان عبدالله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث.

    اللهم ارشدنا للصواب واحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

    التفاصيل
    0
    327
  • من آخر وصايا الصحابي الجليل عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
  • قال عبادة بن محمد :" لما حضرت عبادة بن الصامت رضي الله عنه الوفاة

    قال: أخرجوا فراشي إلى الصحن - يعني الدار -.
     ثم قال : اجمعوا لي موالي وخدمي وجيراني ومن كان يدخل علي.
    فجمعوا له.
    فقال: إن يومي هذا لأراه آخر يومي يأتي علي من الدنيا، وأول ليلة من الآخرة، وإني لا أدري لعله قد فرط مني بيدي أو بلساني شيء  وهو -والذي نفس عبادة بيده- القصاص يوم القيامة، فما خرج على أحدكم شيء من نفسه إلا اقتص مني قبل أن يخرج نفسي.
    فقالوا: بل كنت والدا وكنت مؤدبا.
    قال وما قال لخادم سوءا قط
    قال فقال : أغفرتم لي ما كان من ذلك؟
    قالوا: نعم.
    قال: اللهم أشهد.
    ثم قال: أما فاحفظوا وصيتي ! أُحَرِّجُ على كل إنسان منكم يبكي عليَّ.
    وإذا خرجت نفسي فَتَوَضَّئُوا وأحسنوا الوضوء ثم يدخل كل إنسان منكم مسجده فيصلي ركعتين ثم يستغفر لعباده ولنفسه، فإن الله قال { استعينوا بالصبر والصلاة }  ثم أسرعوا بي إلى حفرتي ولا يتبعني نار. أخرج هذه الوصية هناد بن السري في "الزهد" .

    التفاصيل
    0
    423
  • متى يحفظ الإيمان صاحبه
  • الحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.

    أما بعد.

    كثيرا ما نسمع أن الإيمان يحفظ العبد في زمن الفتن، وما أكثر هذه الفتن في تلك الأيام، فما هو الإيمان الذي تتحقق به العصمة ، وتحصل به النجاة من الشبهات والشهوات، ويجد العبد به التأييد من رب السماوات، إنه الإيمان الذي يثمر العمل وصلاح السلوك، لا مجرد معلومات جامدة يحفظها الصدر والسطر، نعم إنه الإيمان الذي يثمر العمل، إنه الإيمان الذي يتعلمه الإنسان ويؤمن به ليقوى عمله وتكثر طاعته، ويلجأ به قلبه إلى الله تعالى، فإن الله جل وتعالى قد أخبر في غير ما آية من القرآن أن الإيمان الذي تكون به النجاة إيمان بعمل قال تعالى :{ إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا}.

    فبيّن أن النجاة بالإيمان الذي يقترن به العمل .

     

    وقال : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.

    فتأمل أوصاف تحقق الوعد :الإيمان ( عدم الشرك ) ، والعمل الصالح ( العبادة ).

    وقال تعالى : { والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}.

    قال الشافعي رحمه الله :" لو لم ينزل الله تعالى على الناس غير هذه السورة لكانت حجة كافية عليهم".

    أي في بيان أهمية الإيمان مقرونا بعمل صالح.

    وفقنا الله جميعا للعمل الصالح وتقبل منا ومنكم .

    والحمد لله رب العالمين.

    التفاصيل
    0
    446
  • الفرق بين صلاة الرجل والمرأة في جماعة.
  • قال الإمام النووي رحمه الله في "المجموع"(3 /455) : و يخالف النساء الرجال في صلاة الجماعة في أشياء :
    1- لا تتأكد في حقهن كتأكدها في حق الرجال .
    2- تقف إمامتهن وسطهن .
    3- تقف واحدتهن خلف الرجل لا بجنبه بخلاف الرجل .
    4- إذا صلين صفوفاً مع الرجال فآخر صفوفهن أفضل من أولها وفائدة مما سبق يُعلم تحريم الاختلاط.
    ويضاف إلى هذا ما يلي:
    5- تجهر المرأة بالقراءة في الصلاة الجهرية إذا لم يسمعها رجال غير محارم .
    6 - أنَّ المرأة تجمع نفسها في الركوع والسجود بدلاً من التجافي … لأنه أستر لها . كما في المغني (2/258)
    7 - ليس على المرأة أذان و لا إقامة لأن الأذان شرع له رفع الصوت والمرأة لا يجوز لها رفع صوتها ،
    8- كل المرأة عورة في الصلاة إلا وجهها ، وذلك لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " رواه الخمسة .
    وفي كعبها وقدميها خلاف .
    والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    التفاصيل
    0
    449
  • متى يطمع فيك الشيطان
  • عن الحسن البصري رحمه الله قال :" إذا نظر إليك الشيطان فرآك مداوماً في طاعة الله، فبغاك، وبغاك - أي طلبك مرة بعد مرة - فرآك مداوماً ، مَلَّك، - أي ملَّ منك -ورفضك، - أي وترك غوايتك - وإذا كنت مرة هكذا ، ومرة هكذا ، طمع فيك".

    التفاصيل
    0
    558
  • هلاك الناس بثلاث : الكبر ، والحرص ، والحسد.
  • هلاك الناس بثلاث : الكبر ، والحرص ، والحسد.
    فالكبر هلاك الدين، وبه لعن إبليس حيث تكبر عن السجود لآدم لما أمر الله بالسجود له.
    والحرص: عدو النفس، وبه أخرج آدم من الجنة ، نهاه الله عن الشجرة فأكل منها.
    والحسد: رائد السوء، وبه قتل قابيل هابيل، وقال صلى الله عليه وسلم ( لا تحاسدوا).

    التفاصيل
    0
    635
تراجم
  • ترجمة مختصرة للصحابي الجليل أنس بن مالك خادم رسول الله.
  • * اسمه ونسبه:

    أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام الأنصاري، النجاري، الإمام، المفتي، المقرئ، المحدث، راوية الإسلام، أبو حمزة الأنصاري، الخزرجي، النجاري، المدني، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابته من النساء، وتلميذه، وتبعه، وآخر أصحابه موتا.
    قال البغوي: أمه أم سليم بنت ملحان ، وقال على ابن المديني: اسمها مليكة بنت ملحان ، وأمها الرميصاء.
    قال أنس: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، و أنا ابن ثماني سنين، فذهبت بي أمي إليه، فقالت: يا رسول الله إن رجال الأنصار، و نساءهم قد أتحفوك غيري، و إني لم أجد ما أتحفك به إلا ابني هذا فاقبله مني، يخدمك ما بدا لك، وادع الله له، فقال صلى الله عليه وسلم:" اللهم أكثر ماله و ولده "، قال أنس : فوالله إن مالي لكثير، و إن ولدي، وولد ولدي يتعادون على نحو من مائة اليوم.
    قال أنس: فخدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، لم يضربني ضربة، و لم يسبني، و لم يعبس في وجهي.
    فصحب أنس نبيه صلى الله عليه وسلم أتم الصحبة، ولازمه أكمل الملازمة منذ هاجر، وإلى أن مات، وغزا معه غير مرة، وبايع تحت الشجرة.

    * عبادته:
    قال أبو هريرة: ما رأيت أحدا أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ابن أم سليم -يعني: أنسا -.
    وقال أنس بن سيرين: كان أنس بن مالك أحسن الناس صلاة في الحضر والسفر.
    وروى: الأنصاري، عن أبيه، عن ثمامة، قال: كان أنس يصلي حتى تفطر قدماه دما، مما يطيل القيام رضي الله عنه.

    * مواقف من حياته.
    قال ثابت البناني: جاء قيم أرض أنس، فقال: عطشت أرضوك. فتردى أنس، ثم خرج إلى البرية، ثم صلى، ودعا، فثارت سحابة، وغشيت أرضه، ومطرت، حتى ملأت صهريجه، وذلك في الصيف، فأرسل بعض أهله، فقال: انظر أين بلغت؟
    فإذا هي لم تعد أرضه إلا يسيرا.
    * روايته:
    روى عن: النبي صلى الله عليه وسلم علما جما، وعن: أبي بكر، وعمر، وعثمان، ومعاذ، وأسيد بن الحضير، وأبي طلحة، وأمه أم سليم بنت ملحان، وخالته أم حرام، وزوجها عبادة بن الصامت، وأبي ذر، ومالك بن صعصعة، وأبي هريرة، وفاطمة النبوية، وعدة.

    * وفاته:
    عن موسى السنبلاني قال : أتيت أنس بن مالك ، فقلت : أنت آخر من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال قد بقي قوم من الأعراب، فأما من أصحابه ، فأنا آخر من بقي.
    و قال محمد بن عبد الله الأنصاري : مات أنس ، و هو ابن مئة و سبع سنين.
    و قال في موضع آخر : اختلف علينا مشيختنا في سن أنس ، فقال: بعضهم: بلغ مائة وثلاث سنين، و قال بعضهم : بلغ مائة وسبعا .
    وقال أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد القطان: مات سنة إحدى أو اثنتين و تسعين.
    روى البخاري في"التاريخ الكبير" بإسناده إلى قتادة قال: لما مات أنس بن مالك ، قال مورق : ذهب اليوم نصف العلم. قيل : كيف ذاك يا أبا المعتمر؟ قال : كان الرجل من أهل الأهواء، إذا خالفنا في الحديث ، قلنا: تعال إلى من سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم.

    التفاصيل
    0
    674
  • ترجمة مختصرة للصحابي الجليل شداد بن أوس رضي الله عنه.
  • * اسمه وكنيته:

    هو شداد بن أوس بن ثابت بن المنذر بن حرام الأنصاري، أبو يعلى، وأبو عبد الرحمن الأنصاري، النجاري، الخزرجي، أحد بني مغالة، وهم بنو عمرو بن مالك بن النجار.
    وشداد: هو ابن أخي حسان بن ثابت، شاعر رسول الله -صلى الله عليه وسلمكنية شداد بن أوس: أبو يعلى.
    من فضلاء الصحابة، وعلمائهم، نزل بيت المقدس، وكان له خمسة أولاد، منهم: بنته خزرج، وتزوجت في الأزد، وكان أكبرهم يعلى، ثم محمد، ثم عبد الوهاب، والمنذر.
    فمات شداد، وخلف عبد الوهاب، والمنذر صغيرين، وأعقبوا سوى يعلى.
    قال أحمد بن البرقي: كان أبوه أوس بن ثابت بدريا، واستشهد يوم أحد.

    * روايته:

    عدد أحاديثه في (مسند بقي): خمسون حديثا بالمكرر.
    حدث عنه: ابنه؛ يعلى، وأبو إدريس الخولاني، وأبو أسماء الرحبي، وأبو الأشعث الصنعاني، وعبد الرحمن بن غنم، وجبير بن نفير، وكثير بن مرة، وبشير بن كعب، وآخرون.
    قال خالد بن معدان: لم يبق بالشام أحد كان أوثق، ولا أفقه، ولا أرضى من عبادة بن الصامت، وشداد بن أوس .

    * وفاته:

    مات: سنة ثمان وخمسين، وهو ابن خمس وسبعين سنة، وكانت له عبادة واجتهاد.

    التفاصيل
    0
    663
  • ترجمة مختصرة للصحابي الجليل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه
  • * اسمه ونسبه:

    هو جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار، أحد السابقين الأولين، من نجباء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

    كان أبو ذر رجلا يصيب، وكان شجاعا، ينفرد وحده، يقطع الطريق، ويغير على الصرم في عماية الصبح على ظهر فرسه أو قدميه كأنه السبع، فيطرق الحي، ويأخذ ما أخذ، ثم إن الله قذف في قلبه الإسلام، وسمع مقالة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ يدعو مختفيا، فأقبل يسأل عنه فكان خامس خمسة في الإسلام، ثم إنه رد إلى بلاد قومه، فأقام بها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك، فلما أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم هاجر إليه أبو ذر رضي الله عنه ولازمه، وجاهد معه، وقد شهد فتح بيت المقدس مع عمر.

    وقيل: كان آدم، ضخما، جسيما، كث اللحية.

    وكان رأسا في الزهد، والصدق، والعلم، والعمل، قوالا بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، على حِدَّةٍ فيه.

    عن أم طلق، قالت: دخلت على أبي ذر، فرأيته شعثا شاحبا، بيده صوف، قد جعل عودين، وهو يغزل بهما، فلم أر في بيته شيئا، فناولته شيئا من دقيق وسويق، فقال لي: أما ثوابك، فعلى الله.

    وكان يفتي في خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان.

    * روايته:

    روى عنه: حذيفة بن أسيد الغفاري، وابن عباس، وأنس بن مالك، وابن عمر، وجبير بن نفير، وأبو مسلم الخولاني، وزيد بن وهب، وأبو الأسود الدئلي، وربعي بن حراش، وسعيد بن المسيب، وغيرهم.

    * من مواقفه المشهورة:

    عن ابن مسعود، قال: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، جعل لا يزال يتخلف الرجل. فيقولون: يا رسول الله تخلف فلان. فيقول: «دعوه، إن يكن فيه خير فسيلحقكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه». حتى قيل: يا رسول الله، تخلف أبو ذر، وأبطأ به بعيره.قال: وتلوم بعير أبي ذر، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه، فجعله على ظهره، وخرج يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونظر ناظر، فقال: إن هذا لرجل يمشي على الطريق! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «كن أبا ذر». فلما تأمله القوم، قالوا: هو -والله- أبو ذر! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث حده».فضرب الدهر من ضربه ، وسير أبو ذر إلى الربذة. فلما حضرته الوفاة أوصى امرأته غلامه، فقال: إذا مت فاغسلاني، وكفناني، وضعاني على الطريق، فأول ركب يمرون بكم فقولا: هذا أبو ذر. فلما مات فعلا به ذلك، فاطلع ركب، فما علموا به حتى كادت ركائبهم توطأ السرير. فإذا عبد الله بن مسعود في رهط من أهل الكوفة، فقال: ما هذا؟ قيل: جنازة أبي ذر. فاستهل ابن مسعود يبكي، وقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله أبا ذر! يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث حده».فنزل، فوليه بنفسه، حتى أجنه.

    وقيل: إن أبا ذر خلف بنتا له، فضمها عثمان إلى عياله.

    قال الفلاس، والهيثم بن عدي، وغيرهما: مات سنة اثنتين وثلاثين.ويقال: مات في ذي الحجة. ويقال: إن ابن مسعود الذي دفنه عاش بعده نحوا من عشرة أيام -رضي الله عنهما.

    التفاصيل
    0
    655
  • ترجمة مختصرة للصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه.
  • اسمه ونسبه:
    هو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري السيد، الإمام، أبو عبد الرحمن الأنصاري، الخزرجي، المدني، البدري، أمه: هي هند بنت سهل، من بني رفاعة، ثم من جهينة، وروى: الواقدي، عن رجاله: أن معاذا شهد بدرا وله عشرون سنة، أو إحدى وعشرون.

    قال عطاء: أسلم معاذ وله ثمان عشرة سنة.

    عن أنس، قال: جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة، كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، وزيد، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد أحد عمومتي.
    عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وأُبَي - ابن كعب-، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة».

    * روايته:

    له عدة أحاديث.

    روى عنه: ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأنس، وأبو أمامة، وأبو ثعلبة الخشني، ومالك بن يخامر، وأبو مسلم الخولاني، وعبد الرحمن بن غنم، وجنادة بن أبي أمية، وأبو بحرية عبد الله بن قيس، ويزيد بن عميرة، وأبو الأسود الديلي، وكثير بن مرة، وأبو وائل، وابن أبي ليلى، وعمرو بن ميمون الأودي، والأسود بن هلال، ومسروق، وأبو ظبية الكلاعي، وآخرون.

    * من مواقفه الشهيرة:

    قال معاذ: لما بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، قال لي: «كيف تقضي إن عرض قضاء؟». قال: قلت: أقضي بما في كتاب الله، فإن لم يكن، فبما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال:«فإن لم يكن فيما قضى به الرسول؟». قال: أجتهد رأيي ولا آلو.فضرب صدري، وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله»

    * وفاته:

    قال سعيد بن المسيب: قبض معاذ وهو ابن ثلاث، أو أربع وثلاثين سنة.

    قال ضمرة بن ربيعة: توفي معاذ بقصير خالد من الأردن.قال يزيد بن عبيدة: توفي معاذ سنة سبع عشرة.

    وقال أبو عمر الضرير: وهو ابن ثمان وثلاثين سنة.

    وكذا قال الواقدي في سنه، وقال: توفي سنة ثمان عشرة -رضي الله عنه-.

    التفاصيل
    0
    811
  • ترجمة مختصرة لحبر الأمة ، عبدالله بن عباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  • اسمه ونسبه:
    هو عبد الله بن عباس البحر أبو العباس الهاشمي ، حبر الأمة، وفقيه العصر، وإمام التفسير، أبو العباس عبد الله، ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم - العباس بن عبد المطلب شيبة بن هاشم، واسمه عمرو بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر القرشي، الهاشمي، المكي، الأمير -رضي الله عنه -.
    مولده: بشعب بني هاشم، قبل عام الهجرة بثلاث سنين.
    صحب النبي -صلى الله عليه وسلم - نحوا من ثلاثين شهرا، وحدث عنه بجملة صالحة.

    وعن: عمر، وعلي، ومعاذ، ووالده، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي سفيان صخر بن حرب، وأبي ذر، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وخلق.
    وقرأ على: أبي، وزيد.
    قرأ عليه: مجاهد، وسعيد بن جبير، وطائفة.
    روى عنه: ابنه علي، وابن أخيه؛ عبد الله بن معبد، ومواليه؛ عكرمة، ومقسم، وكريب، وأبو معبد نافذ، وأنس بن مالك، وأبو الطفيل، وأبو أمامة بن سهل، وغيرهم.
    وأمه؛ هي أم الفضل لبابة بنت الحارث بن حزن بن بجير الهلالية، من هلال بن عامر.
    وله جماعة أولاد؛ أكبرهم: العباس - وبه كان يكنى - وعلي أبو الخلفاء - وهو أصغرهم - والفضل، ومحمد، وعبيد الله، ولبابة، وأسماء.
    وكان وسيما، جميلا، مديد القامة، مهيبا، كامل العقل، ذكي النفس، من رجال الكمال.
    وأولاده: الفضل، ومحمد، وعبيد الله، ماتوا ولا عقب لهم.
    ولبابة، ولها أولاد، وعقب من زوجها علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وبنته الأخرى أسماء، وكانت عند ابن عمها عبد الله بن عبيد الله بن العباس، فولدت له: حسنا، وحسينا.
    انتقل ابن عباس مع أبويه إلى دار الهجرة سنة الفتح، وقد أسلم قبل ذلك، فإنه صح عنه أنه قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين؛ أنا من الولدان، وأمي من النساء.
    قال الزبير بن بكار: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولابن عباس ثلاث عشرة سنة.

    * روايته:
    مسنده: ألف وست مائة وستون حديثا.
    وله من ذلك في "الصحيحين": خمسة وسبعون.
    وتفرد: البخاري له بمائة وعشرين حديثا، وتفرد: مسلم بتسعة أحاديث.
    قال أبو سعيد بن يونس: غزا ابن عباس إفريقية مع ابن أبي سرح؛ وروى عنه من أهل مصر: خمسة عشر نفسا.

    * من مواقفه:
    قال عبد الله بن عباس: بت في بيت خالتي ميمونة، فوضعت للنبي صلى الله عليه وسلم غُسلا، فقال: (من وضع هذا؟).قالوا: عبد الله. فقال: (اللهم علمه التأويل، وفقهه في الدين)

    وقال أيضاً: كان عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، يدني ابن عباس فقال له عبد الرحمن بن عوف إن لنا أبناء مثله فقال إنه من حيث تعلم فسأل عمر ابن عباس عن هذه الآية {إذا جاء نصر الله والفتح} فقال أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه إياه، قال ما أعلم منها إلا ما تعلم.

    وفاته:
    قال علي بن المديني: توفي ابن عباس سنة ثمان، أو سبع وستين.
    وقيل: عاش إحدى وسبعين سنة.

    التفاصيل
    0
    679
  • ترجمة مختصرة للصحابي الجليل أبي مسعود البدري رضي الله عنه
  •  اسمه ونسبه:
    أبو مسعود البدري واسمه: عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة بن عسيرة الأنصاري، نزل ماء ببدر، فشهر بذلك.

    وكان ممن شهد بيعة العقبة، وكان شابا من أقران جابر بن عبدالله في السن.
    روى أحاديث كثيرة، وهو معدود في علماء الصحابة، نزل الكوفة.

    حدث عنه: ولده؛ بشير، وأوس بن ضمعج، وعلقمة، وأبو وائل، وقيس بن أبي حازم، ربعي بن حراش، وعبد الرحمن بن يزيد، وعمرو بن ميمون، والشعبي، وعدة.

    قال الواقدي: شهد العقبة، ولم يشهد بدرا.

    قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (7 / 248):"وقع في " صحيح البخاري " من حديث عروة بن الزبير ، قال : أخر المغيرة بن شعبة العصر فدخل عليه أبو مسعود عقبة بن عمرو جد زيد بن حسن ، و كان قد شهد بدرا ، فقال : يا مغيرة . فذكر الحديث .

    سمعه عروة من بشير بن أبى مسعود ، عن أبيه ، و بذلك عده البخاري في البدريين.

    و قال مسلم بن الحجاج في " الكنى " : شهد بدرا .

    و قال أبو أحمد الحاكم : يقال : إنه شهد بدرا .

    وفاته:
    قال يحيى القطان: مات أبو مسعود أيام قتل علي بالكوفة.
    وقال الواقدي: مات بالمدينة، في خلافة معاوية
    و قال الهيثم بن عدي، و المدائني: مات سنة أربعين.
    و قيل : مات سنة إحدى أو اثنتين و أربعين .

    التفاصيل
    0
    617
سؤالات
  • والشجرة الملعونة في القرآن
  • قوله تعالى {والشجرة الملعونة في القرآن}.
    اختلف أهل التفسير في معنى الشجرة الملعونة على أربعة أقاويل :
    أحدها : أنها شجرة الزقوم طعام الأثيم .
    وقال الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك وسعيد بن جبير وطاووس وابن زيد : وكانت فتنتهم بها قول أبي جهل وأشياعه : النار تأكل الشجر فكيف تنبتها .
    الثاني : هي الكشوت التي تلتوي على الشجر ، قاله ابن عباس .
    الثالث : أنهم اليهود تظاهروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الأحزاب ، قاله ابن بحر .
    الرابع : أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في منامه قوماً يصعدون المنابر، فشق عليه، فأنزل الله تعالى {والشجرة الملعونة في القرآن} قاله سعيد بن المسيب .
    والله أعلم.

    التفاصيل
    0
    487
  • لماذا تلبس المرأة الحجاب؟
  • لماذا تلبس المرأة الحجاب؟
    الجواب:
    1- لأن الحجاب طاعة لله عز وجل، وطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم.
    2- الحجاب عفة.
    3- الحجاب طهارة.
    4- الحجاب ستر.
    5- الحجاب تقوى.
    6- الحجاب إيمان.
    7- الحجاب حياء.
    8- الحجاب غيرة.

    التفاصيل
    0
    513
  • الشروط التي يجب توافرها حتى يكون الحجاب شرعي.
  • *الشروط التي يجب توافرها حتى يكون الحجاب شرعي.
    1- ستر جميع بدن المرأة بما في ذلك الوجه والكفين على الراجح من كلام أهل العلم.
    2- أن لا يكون الحجاب في نفسه زينة.
    3- أن يكون صفيقا ثخيناً لا يشف لأن الستر لا يتحقق إلا به، أما الشفاف فهو يجعل المرأة كاسية بالاسم عارية في الحقيقة.
    4- أن يكون فضفاضاً واسعاً غير ضيق، لأن الغرض من الحجاب منع الفتنة.
    5- أن لا يكون معطرا مطيباً.
    6- أن لا يشبه ملابس الرجال.
    7- أن لا يشبه ملابس الكافرات.
    8- أن لا تقصد به الشهرة بين الناس.

    التفاصيل
    0
    529
  • المقصود بولاية النكاح
  • المقصود بولاية النكاح: مساعدة المرأة في اختيار الزوج المناسب لها في دينه وخلقه، وإذا اجتمع المال مع الدين والخلق فأحسن، وإذا اجتمع الدين والخلق والمال والجمال في الزوج أو الزوجة فهذا أكمل؛ لكن لا يصلح تزويج المرأة لمن لا دين له، وإن ملك الدنيا وكان أجمل الناس حسنا.
    والولاية ليست تجارة تزوج المرأة لمن يدفع أكثر، فهذا فهم مغلوط، وعواقبه وخيمة.
    وفقنا الله وإياكم لكل خير.

    التفاصيل
    0
    494
  • هل يجوز للفتاة أن تحب شاباً؟
  • هل يجوز للفتاة أن تحب شاباً؟ هل هذا حلال أم حرام؟
    الحمد لله وصلى الله و سلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد.
    فقال أهل العلم إن المحبة أنواع متعددة... فمنها ما هو حلال نافع بل هو واجب... كحب الفرد لأبيه وأمه وزوجه... ومنها ما هو مستحب كمحبة الفرد لصديقه لله وفى الله وليس لأجل المصلحة الدنيوية... ومنها المحبة الضارة المحرمة شرعا... وهى المحبة التي تقع بين جموع الشباب والفتيات... والذي يطلق عليها أدعياء الحضارة (الحب العاطفي ) ويطلق عليها علماء الشرع ( عشق الصور)
    قال ابن القيم رحمه الله:- "إن من المعلوم أنه ليس في عشق الصور مصلحة دينية ولا دنيوية بل مفسدته الدينية والدنيوية أضعاف أضعاف ما يقدر فيه من مصلحة".
    وقال أخر:" العشق الحرام سم مميت لأفئدة الكرام"
    وقال أخر: " العشق الحرام بمنزلة الهادم للأبدان... وإن وقعت فيه قتلك وأن أكثرت منه قتلك"
    وانشد أخر قائلا: "خليلي إن الحب فيه لذاذة... وفيه شقاء دائم وكروب"
    وقال صاحب كتاب الكبائر والنساء: "أما العشق الحرام هو أن تعشق المتزوجة رجلا غير زوجها لما له من صفات تثيرها... وأيضا عشق الفتاة البكر التي تعشق رجلا غريبا سواء إن كان مهتما بها أو غير مبالي بأمرها فهو كبيرة من الكبائر."
    قال ابن حجر الهيثمى: "العشق إما مباح كعشق الرجل لزوجته أو أمته... وإما محرم كمن غلب عليه هوى محرم".
    فظهر من كلام أهل العلم أن حب الفتاة لرجل يبادلها هذا الحب أو لا يبالي به أنه من كبائر الذنوب، فهو حرام ولا يجوز.
    هدى الله شباب المسلمين إلى ما يحبه ويرضاه.

    كتبه أخوكم

    محمد بن صلاح الصيرفي

    10 /  7 / 2012م

    التفاصيل
    0
    493
  • مراحل تغيير المنكر باليد ثم اللسان ثم القلب
  • الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
    أما بعد.
    فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان».
    فجعل تغيير المنكر على درجات ثلاث.
    الدرجة الأولى: باليد، إذا استطاع العبد ذلك ، وسيتضح الأمر إن شاء الله في المثال الذي سأذكره بعد قليل.
    الدرجة الثانية: التغيير باللسان، وذلك يكون بعد العجز عن التغيير باليد.
    الدرجة الثالثة : وهي الأخيرة: التغيير بالقلب، ويحصل إذا لم يستطع الإنسان تغيير المنكر بيده أو بلسانه، وهي بغض القلب لهذا المنكر، وكراهيته.
    فنوع النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الأمر، وهو تغيير المنكر على حسب أحوال الناس، فمنهم من يستطيع أن يغير بيده، فهذا الأولى له أن يغير المنكر بيده.
    ومنهم من لا يستطيع أن يغيره بيده، وقد لا يحق له أن يغيره بيده، لأن في تغييره بيده قد يقع مفسدة أكبر مما أنكرها بيده، لذلك أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أن يغير بلسانه ويكتفي بهذا فقط، ويسقط عنه التغيير باليد.
    ومثال ذلك : رجل رأى منكرا في بيت أحد جيرانه، أياً كان هذا المنكر ، فماذا يصنع؟
    الجواب: هو لا يحق له أن يغير بيده لأنه لا يملك هذا،
    فإن حاول التغيير باليد، فقد وقع في محظور أكبر مما أراد أن ينهى عنه.
    ففي هذه الحال ينكر بلسانه، بأن يخاطب صاحب البيت، ويرشده إلى أن هذا الفعل منكر، ويغضب الله، فإن وافقه صاحب البيت واستجاب له وغير هذا المنكر الذي في بيته، فهو حسن، وهذا ما نريده.
    أما إن رفض صاحب البيت،
    فنقول للذي يريد إنكار المنكر أنت قدمت ما عليك، ويكفيك الآن أن تنكر بقلبك، أي تبغض هذا الفعل.
    المثال الثاني :
    رجل دخل بيته فوجد فيه منكرا، الواجب عليه أن يغير بيده، فيزيل هذا المنكر.
    وهذا واضح، أنه يستطيع هذا فهو في بيته، وكل يسمع له ويطيع، إذا كان صاحب البيت، أما إذا كان هو الابن، ورأى مثلاً منكرا في أحد إخوانه، فإنه إن كان باستطاعته تغييره بيده، ولا يغضب والده، فهذا أولى، أما إن غير بيده، وأغضب والداه، فنقول له لا تغير بيدك، ولكن غير بلسانك، وانصح والدك أن يغير هو بيده.
    المثال الثالث:
    رجل رأى منكرا في مكان لا يستطيع أن يصل إليه، سمعه أو شاهده في وسائل الإعلام مثلا.
    نقول له : إن لم تستطع التواصل مع أصحاب هذا المنكر، فيكفيك أن تغير بقلبك، ولا شيء عليك.
    أما قول النبي صلى الله عليه وسلم (وذلك أضعف الإيمان) لأن من لم ينكر بأدني درجات الإنكار وهو القلب، ليس بمؤمن، ولا يعني هذا أنه كافر، بل هو مسلم، ولكن لم يحقق شروط الإيمان.

    كتبه أخوكم
    محمد بن صلاح الصيرفي
    18 شعبان 1433هـ

    التفاصيل
    0
    1151
مقدمات في طلب العلم
  • عاشرا: ما ينبغي لطالب العلم حفظه تدريجيا.
  • قال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله:" وقد كان الطَّلبُ في قُطْرنا بعد مرحلة الكتاتيب والأخذ بحفظ القرآن الكريم يمرُّ بمراحل ثلاث لدى المشايخ في دروس المساجد: للمبتدئين، ثم المتوسِّطين، ثم المتمكنين:
    ففي التوحيد:"ثلاثة الأصول وأدلتها"،والقواعد الأربع"،ثم "كشف الشبهات"، ثم "كتاب التوحيد" أربعتها للشيخ محمد بن عبد الوهابرحمه الله، هذا في توحيد العبادة.
    وفي توحيد الأسماء والصفات:" العقيدة الواسطية"، ثم "الحموية، ثم "التدمرية، ثلاثتهما لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فـ" الطحاوية" مع "شرحها".
    وفي النَّحو: "الآجُرُّومِيَّة"، ثم " مُلحة الإعراب" للحَريري، ثم " قطر الندى" لابن هشام، و"ألفية ابن مالك" مع "شرحها" لابن عقيل.
    وفي الحديث"الأربعين النووية" ثم"عُمدة الأحكام"، للمقدسي،ثم "بلوغ المرام"لابن حجر و"المنتقى" للمجد ابن تيمية،رحمهم الله تعالى، فالدُّخول في قراءة الأمَّهات السِّتِّ وغيرها.
    وفي المصطلح :" نخبة الفِكَر"،  لابن حجر، ثم "ألفية العراقي" رحمهما الله تعالى.
    وفي الفقه مثلاً :"آداب المشي إلى الصلاة" للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ثم "زاد المستقنع" للحِجَّاوي رحمه الله تعالى، أو "عمدة الفقه" ثم "المقنع" للخلاف المذهبي، و"المغني" للخلاف العالي، ثلاثتها لابن قدامة  رحمه الله تعالى.
    وفي أصول الفقه :"الورقات"، للجُوَيني رحمه الله تعالى، ثم"روضة الناظر"لابن قدامة.
    وفي الفرائض : "الرَّحبية"،  ثم مع شروحها، و "الفوائد الجلية".
    وفي "التفسير :" تفسير ابن كثير"، رحمه الله تعالى.
    وفي أصول التفسير " المقدمة" لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
    وفي السيرة النبوية :" مختصرها" للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأصلها لابن هشام، وفي "زاد المعاد" لابن القيم  رحمه الله تعالى.
    وفي لسان العرب:" العناية بأشعارها، كـ"المعلقات السبع" والقراءة في "القاموس" للفيروز آباديِّ  رحمه الله تعالى. وهكذا مراحل الطلب في الفنون.اهـ.

    التفاصيل
    0
    528
  • تاسعاً: العناية بحفظ الأصول والقواعد والضوابط والتعليلات.
  • الأصول والقواعد هي العلم، والمسائل فروع، وضبطها وإتقانها وحفظها يجمع لطالب العلم متفرقات شتَّى في مسائل متعددة.
    وقد قيل:" من لم يتقن الأصول حرم الوصول"
    قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في "منظومته الفقهية".
    وبعد فالعلم بحور زاخرة *** لن يبلغ الكادح فيه آخره.
    لكن في أصوله تسهيلا  *** لنيله فاحرص تجد سبيلا
    اغتنم القواعد الأصولا  *** فمن تفته يحرم الوصولا
    قال الشيخ ابن سعدي  رحمه الله في "الفتاوى السعدية":" معرفة الأصول والضوابط واعتبارها بالمسائل والصور من أنفع طرق التعليم".
    وقال ابن بدران رحمه الله:" واعلم أنه لا يمكن للطالب أن يصير متفقهاً ما لم تكن له دراية بالأصول، ولو قرأ الفقه سنيناً وأعواماً، ومن أدعى غير ذلك كان كلامه إما جهلاً وإما مكابرة".

    التفاصيل
    0
    434
  • ثامنا: طرق إحكام المحفوظ.
  • مما يعين على الحفظ تكرار المحفوظ، فإذا حفظ الطالب متناً أو مقطعاً من متن في أي فن من الفنون، فإن مما يعينه على تثبيته ودوام حفظه تكراره.
    قال البخاري رحمه الله لما سُئل هل من دواء للحفظ؟ فقال:"لا أعلم شيئاً أنفع للحفظ من نهمة الرجل، ومداومة النظر" انظر مقدمة فتح الباري
    وقال الخطيب البغدادي رحمه الله:" وليس يثبت الحفظ إلا دوام المذاكرة بالمحفوظ، ثم نقل قول الزهري:" إنما يُذهب العلم النسيان وترك المذاكرة"  انظر "الفقيه والمتفقه
    وقال أيضاً:" وينبغي له أن يتثبت في الأخذ ولا يكثر، بل يأخذ قليلاً قليلاً، حسب ما يحتمله حفظه، ويقرب من فهمه، فإن الله تعالى يقول :{ وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا} الفرقان:32
    وقيل:" من رام العلم جُملة ذهب عنه جُملة"
    وقيل:" ازدحام العلم في السمع مضلَّة الفهم"

    التفاصيل
    0
    515
  • سابعاً: كيف يحفظ العلم .
  • قال الخطيب رحمه الله:"اعلم أن للحفظ ساعات، ينبغي لمن أراد التحفظ أن يراعيها، وللحفظ أماكن ينبغي للمتحفظ أن يلزمها، فأجود الأوقات، الأسحار، ثم بعدها وقت انتصاف النهار، وبعدها الغدوات دون العشيات، وحفظ الليل أصلح من حفظ النهار.
    قيل لبعضهم: بم أدركت العلم، فقال:" بالمصباح والجلوس إلى الصباح".
    وقيل لآخر، فقال:" بالسَّفر، والسَّهر، والبكور في السَّحر".
    قال:" وأجود أماكن الحفظ الغرف دون السفل، وكل موضع بعُد مما يلهي، وخلا القلب فيه مما يقرعه فيشغله، أو يغلب عليه فيمنعه، وليس بالمحمود أن يتحفظ الرجل بحضرة النبات والخضرة، ولا على شطوط الأنهار، ولا على قوارع الطرق، فليس يعدم في هذه المواضع غالباً ما يمنع من خلو القلب وصفاء السِّر" انظر "الفقيه والمتفقه

    التفاصيل
    0
    464
  • سادساً: فوائد الحفظ
  • الحفظ لطالب العلم مهمٌ جداً، فعلم بلا حفظ كبدن بلا روح، وشجرة بلا ثمرة وللحفظ فوائد كثيرة منها :-
    1 ـ بقاء المعلومات في الذهن.
    2 ـ الاستفادة من الأوقات في تحصيل العلم زيادة على المحفوظ .
    3 ـ استحضار المعلومات بكل يسر وسهولة.
    4 ـ تظهر فائدة الحفظ ومنفعته في حالات منها: فقد الكتاب، فقد الإضاءة ليلاً، فقد البصر .
    وقال آخر:
    عليك بالحفظ دون الجمع في كتب *** فإن للكتب آفاتٍ تفرقها.
    الماء يغرقها والنار تحرقها *** والفأر يخرقها واللص يسرقها.

    التفاصيل
    0
    762
  • خامساً: بعض الأسباب المعينة على الحفظ ما يلي :
  • إخلاص النية .
    وترك المعاصي.
    وتقوى الله.
    وصدق التوكل على الله سبحانه وتعالى.
    قال تعالى: {واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم } البقرة:282
    وقال تعالى: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} الطلاق: ٣.
    قال الخطيب البغدادي رحمه الله:" ينبغي أن يكون قصد الطالب بالحفظ ابتغاء وجه الله تعالى والنصيحة للمسلمين، في الإيضاح والتبيين" انظر "الجامع" للخطيب
    قال محمد بن النضر :" سمعت يحيى بن يحيى يقول : سأل رجل مالك بن أنس : يا أبا عبد الله، هل يصلح لهذا الحفظ شيء؟  قال :" إن كان يصلح له شيء فترك المعاصي".
    وقال بشر بن الحارث :" إذا أردت أن تلقن العلم فلا تعص".
    وقال علي بن خشرم :"سألت وكيعاً، قلت : يا أبا سفيان تعلم شيئاً للحفظ ؟ قال : "أراك وافداً"، ثم قال :"ترك المعاصي عون على الحفظ" انظر "الجامع" للخطيب

    التفاصيل
    0
    433
الاكثر قراءة
  • وقفات مع زكاة الفطر
  •   الحمدالحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد.

    فهذه وقفات مع زكاة الفطر، نسأل الله أن يتقبلها منا، وأن ينفع بها من طالعها.

    أولاً: سبب تسمية زكاة الفطر بهذا الاسم.

    زكاة الفطر، وتسمى أيضاً صدقة الفطر، وتعلق اسمها بالفطر لأنها تجب بالفطر من رمضان كما قاله ابن حجر رحمه الله.

    وسميت زكاة ، لأنها طهرة للصائم من اللغو والرفث، وما وقع منه في حال صيامه مما يؤثر على صومه.

    ثانياً حكمها :

     على الصحيح أنها فرض لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال :« فرض النبي صلى الله عليه وسلم صدقة رمضان على الحر والعبد والذكر والأنثى صاعا من تمر أو صاعا من شعير» رواه مسلم.

    فلفظ «فرض» بمعنى ألزم وأوجب، وأجمع أهل العلم على أن زكاة الفطر واجبة.

    فتجب زكاة الفطر على كل مسلم صغيرا أو كبيراً، ذكرا أو أنثى، حرا أو عبدا.

    فكل مسلم يملك مقدار الزكاة زائدا عن حاجته، وحاجة أهله يوماً وليلة، تجب عليه الزكاة، وأما إذا لم يكن عنده إلا ما يكفيه وأهله فقط حتى خرج الشهر فليس عليه زكاة.

    ثالثاً حمكتها:

    من حكمتها أنها طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، كما دل على ذلك حديث ابنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما – قَالَ :«فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الفِطرِ طُهرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعمَةً لِلمَسَاكِينِ، مَنْ أدَّاهَا قَبلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقبُولَةٌ، وَمَن أدَّاهَا بَعدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ».

    رابعاً وقت إخراجها:

    لزكاة الفطر وقت جواز ووقت فضيلة.

    فوقت الجواز أن يخرجها قبل يوم العيد بيوم أو يومين، لما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما -: «أنَّهُمْ كَانُوا يُعطُونَ قَبلَ الفِطرِ بِيَومٍ أوْ يَومَينِ».

    ووقت الفضيلة: وهو فِي صَبَاحِ يوم العِيدِ قَبلَ الصلاةِ، فَقَد جَاءَ عَنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما:«أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ أنْ تُؤَدَّى قَبلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ».

    وعلى هذا يجب على المسلم أن يحرص أن تكون زكاة الفطر قبل صلاة العيد، وهذا أفضل الأوقات، وإن أخرجها قبل ذلك فتجزئ إن شاء الله تعالى لكن صاحبها خالف الأفضل والصواب.

    خامساً مقدار زكاة الفطر:

    روي عن أبِي سَعيدٍ الخُدرِيِّ رضي الله عنه أنه قَالَ: «كُنَّا نُعطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم صَاعًا مِنْ طَعَامٍ ...».

     فمن هذا الحديث يحدد مقدار زكاة الفطر، وهو صاع من طعام، والصاع أربعة أمدد، والمد هو ملئ كفي الرجل المتوسط.

    وعلى هذا فإن الوزن يختلف باختلاف ما يملئ به الصاع، فإذا أراد المزكي أن يخرج وزناً لابد له أن يتأكد أن هذا الوزن يملأ هذا الصاع.

    * وتخرج زكاة الفطر من طعام الآدميين، من تمر أو بر، أو رز، أو غيرها من الطعام، فالأصل فيها أنها تخرج من غالب طعام البلد.

    ودليل ذلك ما روي عن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: «أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم  فَرَضَ زَكَاةَ الفِطرِ صَاعًا مِن تَمرٍ، أوْ صَاعًا مِن شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ، أو عَبدٍ ذَكَرٍ أو أُنثَى مِنَ المُسلِمِينَ » وَكَانَ الشَّعِيرُ يَومَ ذَاكَ مِن طَعَامِهِم.

    مسألة إخراج زكاة الفطر من النقود:

    إخراج زكاة الفطر من النقود خلافا لما عليه جمهور العلماء، وحجتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم فرضها طعاماً لا مالاً، وكان المال موجودا في أيامهم فلم يذكره.

    وأيضاً حدد جنسها وهو الطعام فلا يجوز الإخراج من غيره، كالثياب ونحوها.

    ودليل ذلك حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» أي مردود على صاحبه، غير مقبول.

    وأما الذين يقولون : إن المال أنفع للفقير .
    فنقول لهم : الله سبحانه وتعالى أعلم بما ينفع الفقير منا، وهو الذي شرع إخراجها طعاماً.
    وخالف في ذلك الإمام أبي حنيفة رحمه الله فجوز إخراجها من النقود، فمن أخذ بقوله فنسأل الله لنا وله القبول.

    كم مقدار القيمة؟

    ينظر إلى كم مقدار صاع الطعام ويخرجه، فإذا كان مقدار صاع الطعام عشرة ريالات أو عشرة جنيهات، فيخرج هذه القيمة.

    * لمن تعطى زكاة الفطر.
    تعطى هذه الزكاة للفقراء والمساكين، الذين لا يجدون قوت يومهم.
    لحديث ابن عباس : «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - زَكَاةَ الفِطرِ طُهرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعمَةً لِلمَسَاكِينِ».

    هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    كتبه أخوكم

    محمد بن صلاح الصيرفي

    20 رمضان 1436هـ

    التفاصيل ..
    0
    5675
  • خوف السلف من النفاق وبيان خطورته
  • الحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم، فهذه كلمات جمعتها حول خوف السلف من النفاق، تذكيرا لنفسي ولإخواني حتى لا يغتر أحد بنفسه ، فيقع في  دائرة النفاق وهو لا يشعر، فالله أسأل أن يغفر لنا وأن يرحمنا وأن يجعلنا من الصادقين، المؤمنين المحتسبين،  ، وقد اشتملت هذه السطور على نقاط أولها:

    تعريف النفاق:

    النفاق لغة مصدر نافق، يُقال : نافق يُنافق نفاقًا ومنافقة، وهو مأخوذ من النافقاء : أحد مخارج اليربوع من جحره ؛ فإنه إذا طلب من مخرج هرب إلى الآخر، وخرج منه، وقيل : هو من النفق وهو : السِّرُ الذي يستتر فيه.

    وأما النفاق في الشرع فمعناه : إظهارُ الإسلام والخير، وإبطانُ الكفر والشر ؛ سمي بذلك لأنه يدخل في الشرع من باب، ويخرج منه من باب آخر، وعلى ذلك نبه الله تعالى بقوله{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} أي : الخارجون من الشرع([1]) .

    معنى النفاق:

    قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمة الله تعالي :"لفظ النفاق قد قيل، أنه لم تكن العرب تكلمت به ولكنه مأخوذ من كلامهم فإن نفق يشبه خرج ومنه نفقت الدابة: إذا ماتت -خرجت منها الروح-، ومنه نافقا واليربوع (حيوان صحراوي يقوم بكتم أحد جحريه ويظهر غيره والنفق في الأرض قال تعالى :{وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ}، فالمنافق هو الذي خرج من الإيمان باطنا بعد دخوله فيه ظاهراً، وقيد النفاق بأنه نفاق من الإيمان، ومن الناس من يسمي من خرج عن طاعة الملك نافقا عليه، لكن النفاق الذي في القرآن هو النفاق على الرسول صلى الله عليه وسلم، فخطاب الله ورسوله للناس بهذه الأسماء كخطاب الناس بغيرها وهو خطاب مقيد خاص لا مطلق يحتمل أنواعاًً". انتهى كلامه رحمه الله([2]).

    صور من خوف السلف من النفاق:

    قال إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ :" مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا".

     وقال الحسن البصري – عن النفاق - :" مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ"([3]).

    قال ابن القيم رحمه الله:"وبحسب إيمان العبد ومعرفته يكون خوفه أن يكون من أهل هذه الطبقة، ولهذا اشتد خوف سادة الأمة وسابقيها على أنفسهم أن يكونوا منهم، فكان عمر يقول لحذيفة: ناشدتك الله هل سماني رسول الله مع القوم ؟ فيقول: لا، ولا أزكي بعدك أحداً، يعني : لا أفتح عليّ هذا الباب في تزكية الناس، وليس معناه أنه لم يَبرأ من النفاق غيرك([4]).

    وقد خاف كبار الأولياء على أنفسهم من هذا :

    1- قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ([5]).

    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"والصحابة الذين أدركهم ابن أبي مليكة من أجلِّهم: عائشة، وأختها أسماء، وأم سلمة، والعبادلة الأربعة، وأبو هريرة، وعقبة بن الحارث، والمسور بن مخرمة, فهؤلاء ممن سمع منهم , وقد أدرك بالسن جماعة أجل من هؤلاء : كعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص , وقد جزم بأنهم كانوا يخافون النفاق في الأعمال , ولم ينقل عن غيرهم خلاف ذلك فكأنه إجماع ؛ وذلك لأن المؤمن قد يعرض عليه في عمله ما يشوبه مما يخالف الإخلاص، ولا يلزم من خوفهم من ذلك وقوعه منهم, بل ذلك على سبيل المبالغة منهم في الورع والتقوى رضي الله عنهم"([6]).

    2- قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله - :"وقال الجعد أبو عثمان : قلت لأبي رجاء العطاردي : هل أدركت من أدركت من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يخشون النفاق؟ قال : نعم، إني أدركت بحمد الله منهم صدراً حسناً، نعم، شديداً، نعم، شديداً، وكان قد أدرك عمر".

    3- وقال رحمه الله :"وممن كان يتعوذ من النفاق من الصحابة : حذيفة، وأبو الدرداء، وأبو أيوب الأنصاري، وأما التابعون : فكثير، قال ابن سيرين : ما علي شيء أخوف من هذه الآية {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}([7]).

    وقال أيوب: كل آية في القرآن فيها ذكر النفاق أخافها على نفسي، وقال معاوية بن قرة : كان عمر يخشاه وآمنه أنا ؟، وكلام الحسن في هذا المعنى كثير جدّاً، وكذلك كلام أئمة الإسلام بعدهم .

    وقال الإمام أحمد - في رواية ابن هانيء وسئل:" ما تقول فيمن لا يخاف النفاق على نفسه؟- فقال :" ومن يأمن على نفسه النفاق؟"([8]).

    وهنا ننبه  إلى أمرين مهمين :الأول:

    أن أولئك الأئمة من الصحابة ومن بعدهم كان النفاق الذين يخشونه هو نفاق العمل، وهو الطريق إلى نفاق القلب الذي يؤدي بصاحبه إلى النار –والعياذ بالله-، وهذا النفاق هو الوارد في جملة من الأحاديث تحذر المسلم من التخلق بأخلاقهم، ومنها :

    عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خََصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا : إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ»([9]).

    ورواه الترمذي رحمه الله(2632)وقال بعده :"وإنما معنى هذا عند أهل العلم : نفاق العمل، وإنما كان نفاق التكذيب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، هكذا روي عن الحسن البصري شيء من هذا أنه قال : النفاق نفاقان : نفاق العمل، ونفاق التكذيب" اهـ.

    وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي – رحمه الله - :"وأصل هذا يرجع إلى ما سبق ذكره : أن النفاق أصغر، وأكبر ؛ فالنفاق الأصغر: هو نفاق العمل، وهو الذي خافه هؤلاء على أنفسهم؛ وهو باب النفاق الأكبر، فيُخشى على من غلب عليه خصال النفاق الأصغر في حياته أن يخرجه ذلك إلى النفاق الأكبر حتى ينسلخ من الإيمان بالكلية، كما قال تعالى ]فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} ([10])

    وقال{وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّة}([11])

    والأمر الثاني :

    أن هؤلاء الكبار كانوا أبر الناس قلوباً، وأشدهم تعظيماً لحرمات، وأبعدهم عن انتهاك حدوده، لكن الواحد منهم لكمال علمه بربه، وخوفه من مقامه، يرى الذنب الصغير – إن وقع فيه – كبيراً، بل كان بعضهم يخاف من الرياء، وآخر يخاف أن يكون مقصراً في العمل فيكون قوله مخالفاً لفعله، وآخرون ظنوا أن اشتغالهم بالمباح في بيوتهم مع زوجاتهم، وأولادهم مع وجود الخشوع والرقة في مجالس الذكر ظنوا ذلك من النفاق .

     

    عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ قَالَ : لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ : كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ ؟ قَالَ : قُلْتُ : نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «وَمَا ذَاكَ ؟» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ»([12]).

    قال النووي – رحمه الله - :قوله : "عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات"

    قال الهروي وغيره: معناه حاولنا ذلك ومارسناه واشتغلنا به, أي : عالجنا معايشنا وحظوظنا, والضيعات: وهي معاش الرجل من مال، أو حرفة، أو صناعة.

    قوله : "نافق حنظلة" معناه : أنه خاف أنه منافق, حيث كان يحصل له الخوف في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم , ويظهر عليه ذلك مع المراقبة والفكر, والإقبال على الآخرة, فإذا خرج اشتغل بالزوجة والأولاد ومعاش الدنيا, وأصل النفاق إظهار ما يكتم خلافه من الشر, فخاف أن يكون ذلك نفاقا , فأعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس بنفاق, وأنهم لا يكلفون الدوام على ذلك,«ساعة وساعة» أي : ساعة كذا وساعة كذا([13]).

    وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله:"ولما تقرر عند الصحابة رضي الله عنهم أن النفاق هو اختلاف السر والعلانية، خشي بعضهم على نفسه أن يكون إذا تغير عليه حضور قلبه ورقته وخشوعه عند سماع الذكر برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل، والأولاد، والأموال أن يكون ذلك منه نفاقاً، كما في صحيح مسلم عن حنظلة الأسدي ... – وساق الحديث([14]).

    خطورة النفاق والمنافقين:

    فلا شك إذا أن الله تعالى قد أكثر من ذكر النفاق لنكون على بينة منه. قال تعالى:{وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} ([15]).

    فنحذر من النفاق في ذوات أنفسنا ونحذر من المنافقين.

    خطر النفاق على النفس:

    قال د.إياد:" اللحظة الحاسمة...هي تلك التي يعرف فيها المنافق أنه هالك...استفاق من حلم الخلود في نعيم الجنة إلى يقين الخلود في عذاب النار...لحظة رهيبة يخاف منها كل مؤمن... مر المؤمنون عبر محطات التنقية فتمايزوا عن الكفار الصرحاء، لكن ما زال في صفوفهم منافقون...والمنافق تتعاظم أمانيه في النجاة ولم يبق للجنة إلا خطوات...خطوات تحتاج نورا لإبصار الطريق...لكن المؤمنين تقدموا بنورهم تاركين المنافقين في ظلمات كظلمات نفاقهم وشكهم في الدنيا...وما زال لديهم أماني...بعضهم لا يعلم أن ما كان عليه هو النفاق، وبعضهم يظن أنه ينجو بما نجا به في الدنيا من كذب وخداع...ظن أن حيلته تنطلي حتى على ربه عز وجل...فينادي المنافق كما يصف رب العزة:{ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}([16]).

    خادعوا الله تعالى طويلا فخدعهم {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}([17]).

    عادوا يلتمسون نورا يصلون به إلى النعيم المقيم فضرب السور وهووا في عذاب الجحيم...لحظة فاصلة مرعبة مهولة...فاسأل نفسك يا أخي: هل سأكون قبل السور أم بعده عند هذه اللحظة...تصور نفسك وقد ضرب السور من خلفك فعلمت أنك مؤمن ناج...فتجثو على ركبتيك وتبكي مطأطئا رأسك من شدة الفرح والامتنان لله تعالى أن شملك برحمته...أم يا ترى يُضرب السور أمامك فتوضع الأغلال في عنقك وتسحب بالسلاسل إلى نار جهنم...إلى قعرها ودركها الأسفل:((إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار))([18]).

    قال ابن القيم:"فإن بلية الإسلام بهم (بالمنافقين) شديدة جداً لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة، يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح وهو غاية الجهل والإفساد. فلِلَّه كم من معقل للإسلام قد هدموه! وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه! وكم من علم له قد طمسوه! وكم من لواء له مرفوع قد وضعوه! وكم ضربوا بمعاول الشبه في أصول غراسه ليقلعوها! وكم عموا عيون موارده بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها! فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنة وبلية. ولا يزال يطرقه من شبههم سرية بعد سرية. ويزعمون أنهم بذلك مصلحون! ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون"([19]).

    ولخطورتهم قال الله تعالى: {هم العدو فاحذرهم} فحصر العداوة فيهم كأن لا عدو غيرهم لأنهم شر الأعداء.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«إن أخوف ما أخاف على أمتي من بعدي منافق عليم اللسان»([20]).

     فالمنافق عليم اللسان يقبح الحق ويجمل الباطل ببيانه...وقد يستدل في مسعاه الخبيث هذا بقال الله وقال رسوله...حاملا النصوص على غير محملها.

    وهذا معنى قول ابن القيم :"وكم عموا عيون موارده بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها". فالمنافق الملسن يحاول دفن الحقيقة ونصر آرائه السقيمة مستخدما في ذلك بلاغته وخلطه للأمور تعمية على الناس.

    ولخطورتهم أمرنا الله تعالى أن نتخذ منهم موقفا واضحا حازما..فلم يرض من المؤمنين أن ينقسموا في شأنهم فئتين.. فَتَلين فئة في شأنهم..{فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا}([21]).

    وإنما أحب للمؤمنين أن يجتمعوا على جهاد المنافقين والغلظة عليهم{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} ([22]).

    ونفى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عمن لم يجاهدهم:«مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرُونَ فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ»([23]).

    ونهى الله تعالى نبيه والمسلمين عن طاعة المنافقين:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ}([24]).


    ([1])التعريفات للجرجاني، وفتح القدير 4 / 408، والمصباح المنير والفروق في اللغة ص 223، وروضة الطالبين 10 / 75، ومغني المحتاج 4 / 141 .

     

     

     

     

     

     

     

    ([2]) "مجموع الفتاوى" (7/300(.

     

     

     

     

     

    ([3])رواهما البخاري تعليقاً جازما به في باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله

     

     

     

     

    ([4])طريق الهجرتين " ( ص 604 ).

     

     

    ([5])رواه البخاري تعليقاً جازما به في باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله .

    ([6])فتح الباري " لابن حجر ( 1 / 110، 111)

    ([7])سورة البقرة:8.

    ([8])فتح الباري " لابن رجب ( 1 / 178، 179 ).

    ([9])رواه البخاري في الإيمان (34)، ومسلم في الإيمان (58).

    ([10])سورة الصف : 5.

    ([11])سورة الأنعام : 110 وانظر" فتح الباري " لابن رجب ( 1 / 179 )

    ([12])رواه مسلم في التوبة (2750)

    ([13])شرح مسلم " ( 17 / 66، 67)

    ([14])فتح الباري " لابن رجب ( 1 / 111 )

    ([15])سورة الأنعام:55.

    ([16])سورة  الحديد:14- 15.

    ([17])سورة النساء:142.

    ([18]) مستفاد من بحث " هذا النفاق فاحذروه" للدكتور /إياد قني.

    ([19])مدارج السالكين" (1/347- 348)

    ([20])رواه أحمد (1/22) وإسناده قوي.

    ([21])سورة النساء:88.

    ([22])سورة التوبة:73.

    ([23])رواه مسلم في الإيمان (50(

    ([24])سورة الأحزاب:1 .

    التفاصيل ..
    0
    3764
  • من أحكام الجنائز والقبور
  • تأليف خالد بن محمد عطية

    بسم الله الرحمن الرحيم

    المقدمة

    الحمد لله رب العالمين، خالق السموات والأرضين، ومنزل القرآن شرعة للمسلمين، سبحانه أحمده وأشكره على جزيل عطاياه وكريم نعماه، والصلاة والسلام على محمد الأمين، وخير بركات الله تعالى على سيد المرسلين وإمام المتقين، ثم أما بعد:

    فهذا كتيب سهل ميسر يوضح بعض أحكام الجنائز والقبور، ويبين ما هو من السنة وما هو من البدعة من الأقوال والأفعال التي تصدر ممن ابتُلي بمصيبة الموت، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    والسبب الذي حملني على أن أجتهد لإخراج هذا الكتيب وتأليفه وجمع مادته هو أن أغلب المسلمين يجهل الكثير من هذه الأحكام مع أهميتها البالغة في حياة المسلم، وكنت قد كتبت رسالة مطبوعة في صلاة الجنازة، جمعت فيها بعض المسائل على مذهب الأئمة الأربعة الفقهاء، فذكرت منها ما كان على مذهب الإمام أحمد؛ لحصول الفائدة، ودفعًا للخلاف، وبلغة لطالب العلم والباحث عنه.

    وألفت نظر القارئ لأمر هامٍّ، وهو أني كثيرًا ما ذكرت في الكتيب كلمة (من السنة)، وقصدت بها من السنة المأثورة عنه rوليس القصد أن الحكم سنة، فربما ذكرت حكمًا واجبًا بعد كلمة (من السنة)، فليتنبه القارئ لذلك.

    أسأل الله تعالى أن ينفع به المسلمين، ويعلم به من جهل، ويذكر به من نسي، وينبه به من غفل، والحمد لله رب العالمين، له الحمد في الأولى والآخرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    المؤلف

    خالد بن محمد أحمد عطية

     

     

     

     

     

    القسم الأول

    الجنازة وما يتعلق بها

     

     

     

     

    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

    ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾

     

    الجنازة:

    تعني هذه الكلمة بالكسر (الجِنَازة) الميت، وهي بالفتح (الجَنَازة) السرير الذي يوضع عليه الميت، وقيل: إنها تعني بالكسر الميت وهو موضوع على السرير، ومن ذلك قولهم: (التجنيز)؛ وهو وضع الميت على السرير، وجمع هذه الكلمة جنائز([1]).

    الاحتضار:

    هي حالة نزع الروح ومفارقتها للجسد، يحد بصر المحتضر فيها، ويرى ما لا يراه غيره من نعيم أو عذاب وجحيم.

    القبر:

    هو الحفرة التي يدفن فيها الميت، وهو آخر منازل الدنيا وأول منازل الآخرة، وفيه يحيا الإنسان حياة البرزخ؛ فإما يسعد بحسن عمله، وإما يشقى ويعذب بسوء ما اكتسب، والعياذ بالله.

    من سنن الاحتضار والموت:

    1- من السُّنَّة أثناء الاحتضار قراءة سورة يس؛ لأنها تثبت المحتضر، لقوله r: «اقرؤوا يس على موتاكم»([2]).

    2- من السُّنَّة أثناء الاحتضار تلقين الميت الشهادة؛ لقوله r: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله»([3])؛ لأن من نطق الشهادة ومات عليها دخل الجنة، لقوله r: «من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة»([4]).

    3- من السُّنَّة أثناء الاحتضار الدعاء بخير؛ لأن الملائكة تؤمِّن على الدعاء في ذلك الوقت، لقوله r: «إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرًا، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون»([5]).

    4- من السُّنَّة بعد الموت تغميض الميت، قالت أم سلمة: دخل رسول الله rعلى أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه ثم قال: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر»([6]).

    5- من السُّنَّة بعد الموت توجيه الميت نحو القبلة، قال أبو قتادة: توفي البراء بن معرور ... وأوصى أن يوجه إلى القبلة لما احتضر ... فقال رسول الله r: «أصاب الفطرة»([7]).

    6- من السُّنَّة بعد الموت الدعاء للميت، لقوله rلما مات أبو سلمة فضج ناس من أهله، فقال r: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، ثم قال:اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونور له فيه»([8]).

    7- من السُّنَّة بعد الموت الصبر على الفراق، وعدم الجزع والنياحة على الميت، لقوله r: «الصبر عند الصدمة الأولى»([9])، ولقوله r: «إن الميت يعذب ببكاء أهله»([10]).

    8- ومن السُّنَّة بعد الموت تسجية الميت وتغطيته حتى يكفن، قالت عائشة: «سُجِّي رسول الله بثوب حِبَرَةٍ»([11]).

    كيفية غسل الميت:

    يوضع الميت على طاولة أو سرير أو ما يقوم مقامهما، ويُغطى ثم يجرد من الملابس، ثم يلف الغاسل على يده خرقة فيعصر بها بطن الميت كي يخرج منها الأذى، فيغسله حتى ينقى وينظف، ثم يوضئه كوضوء الصلاة، ثم يغسله من أعلى إلى أسفل ثلاث أو خمس مرات، ويستحب كون إحدى الغسلات بالماء والسدر، ويبدأ بشقه الأيمن في كل مرة ثم الأيسر، وإن كانت امرأة تنقض ضفائرها ليغسل شعرها ثم يعاد ويضفر ثلاث ضفائر، ثم يوضع الطيب والحنوط على الميت، ثم يكفن الرجل في ثلاثة أثواب، والمرأة في خمسة أثواب، يستحب كونها بيضاء.

    ثم يقدم للصلاة عليه، وبعد الصلاة يحفر له لحدًا أو شقًّا في الأرض، واللحد أفضل، ثم يدخل القبر من جهة رأسه، فيوضع على شقه الأيمن في القبر مستقبلاً القبلة، ويوضع تحت رأسه ما يرفعه بمستوى جسده.

    وقد اختلف الفقهاء في إزالة شعر الميت؛ كحلق عانته وقص شاربه إن كان طويلاً، وفي تقليم أظافره أثناء غسله، والمروي عن أحمد([12])أنه يستحب تقليم أظافره وقص شاربه؛ لأنه من السنة للمسلم في حياته، ويجعل ذلك - ما تساقط منه - معه في كفنه؛ لأنه جزء منه.

    أما مسألة حلق عانته فله فيها قولان؛ يستحب لأنه من السنة، ولا يستحب لأن المغسل لربما احتاج إلى النظر لعورة الميت ولمسها، وهو محرم([13])، وكما أجمع الفقهاء على أن من مات وهو غير مختون يترك كما هو على حاله ولا يختن([14]).

    من سنن الغسل والكفن:

    1- من السنة في غسل الميت البدء باليمين، لقوله r: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها»([15]).

    2- من السنة في غسل الميت غسله بالماء والسدر، ثلاث أو خمس أو أي عدد وتر حتى ينقى، ويجعل في آخر غسلة كافورًا، وإذا كانت امرأة يجعل شعرها ثلاث ضفائر، لقوله r: «اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني...»، وقالت أم عطية: «مشطناها ثلاثة قرون»([16]).

    3- من السنة في الكفن تحسينه، لقوله r: «إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه»([17]).

    4- من السنة في الكفن التكفين في ثياب لا أكمام ولا جيوب لها، قالت عائشة: «كُفن رسول الله rفي ثلاثة أثواب سحولية (يمانية) بيض من كرسف ليس فيها عمامة ولا قميص»([18])أي ثلاثة أثواب بيض نقية.

    5- من السنة في الكفن التكفين في الثياب البيضاء، لقوله r: «البسوا من ثيابكم البياض؛ فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم»([19]).

    حكم صلاة الجنازة:

    وتعتبر صلاة الجنازة (فرض كفاية)([20])؛ إن قام بها البعض سقطت عن الآخرين، ودليل ذلك قوله r: «صلوا على صاحبكم»([21]).

    أما دليل وجوبها فقوله r: «صلوا على من قال لا إله إلا الله...»([22])، وكذلك عموم فعله rفي الصلاة على الجنائز.

    شروط صلاة الجنازة:

    ولصلاة الجنازة عدة شروط، والخلاف حاصل فيها بين الفقهاء، وهي ضمن قسمين:

    الأول: ما يتعلق بالمصلي: وهي:

    النية:والتي هي شرط لصحة أي صلاة، وهي شرط عند أبي حنيفة وأحمد([23]).

    ستر العورة، الطهارة، استقبال القبلة:وهي شروط صحة لأي صلاة كانت.

    الثاني: ما تعلق بالميت وهي:

    1- كون الميت مسلمًا؛ لحرمتها على الكفار، قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ([24]).

    2- كون الميت طاهرًا، قد تم غسله.

    3- كون الميت حاضرًا، إن كان من أهل البلاد([25]).

    4- كون الميت أمام القوم حال الصلاة عليه.

    5- كون الموجود من بدن الميت أكثره، وهو ما لزم غسله وتجب الصلاة عليه([26]).

    6- كون الميت غير شهيد، إذ لا صلاة على شهيد الجهاد، وهو محل خلاف سيذكر.

    7- كون الميت موضوعًا على الأرض، وغير محمول على دابة أو على الأعناق، والمروي عن أحمد أنه لا تجوز الصلاة على المحمول سواء على دابة أو على الأعناق([27]).

    أركان صلاة الجنازة:

    1-القيام للصلاة: مع القدرة؛ لأنها كالمكتوبة، إلا مِن عذر يمنع منه.

    2- التكبيرات: وهي أربع تكبيرات لفعله rحين كبر على النجاشي أربع تكبيرات، قال أبو هريرة: إن رسول الله نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم وكبر عليه أربع تكبيرات([28]).

    3- قراءة الفاتحة: وذلك لأنها كسائر الصلوات يجب فيها القراءة، ولقوله r: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»([29])، وقد اختلف الفقهاء في مسألة قراءة الفاتحة على أقوال، والمروي عن أحمد أنها ركن ومحلها بعد التكبيرة الأولى([30]).

    4- الصلاة على النبي r: وذلك لما أثر عنه r«إن السنة في الصلاة على الجنازة، أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى، ويقرأ في نفسه ثم يصلي على النبي r»([31])، والصلاة على النبي rبعد التكبيرة الثانية ركن عند أحمد([32]).

    5- الدعاء للميت: لقوله r: «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء»([33])، وقد اختلف الفقهاء في موضع الدعاء، والمروي عن أحمد أن موضعه بعد التكبيرة الثالثة ويجوز بعد الرابعة، ولا يصح بعد سواهما([34]).

    6- السلام: وذلك باعتبار أنها كالصلاة المكتوب، وكذلك لعموم قوله rفي الصلاة: «... وتحليلها السلام»([35])، وقد اختلف الفقهاء في عدده، والمروي عن أحمد أنها تسليمة واحدة([36]).

    سنن صلاة الجنازة، منها:

    1-الإسرار بالقراءة: لفعله rفي القراءة في صلاة الجنازة.

    2- رفع اليدين مع التكبير: والمروي عن أحمد أنه يرفع يديه مع كل تكبيرة([37]).

    3- وقوف الإمام حال الصلاة على الميت: وهو محل خلاف سيذكر.

    4- الاستعاذة والاستفتاح: وهو محل خلاف، والمروي عن أحمد الاستعاذة، أما الاستفتاح ففي إحدى الروايات عنه([38]).

    5- جعل المصلين ثلاثة صفوف: وذلك لحصول الأجر المأثور عنه rولقوله: «ما من ميت يموت فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا ثلاثة صفوف إلا أوجب»([39]).

    6- فعل الصلاة جماعة: لحصول الأجر، ولفعله rذلك، وكذلك لعموم قوله r: «من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب»([40])، وكذلك قوله: «صلوا على صاحبكم»([41]).

    فضل الصلاة على الجنازة:

    بين rفضل صلاة الجنازة بأن فيه أجرًا كبيرًا مترتبًا على فعل يسير، وما ذلك إلا لتراحم المسلمين فيما بينهم وتعرضهم لرحمة الله تعالى، فالأجر يشمل المصلى عليه كلما كثر المصلون على الجنازة، ويتضح ذلك من قوله r: «من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط، ومن تبعها حتى يفرغ منها فله قيراطان، أصغرهما مثل أحد أو أحدهما مثل أحد»([42])، وقوله r: «من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها فله قيراط، ومن تبعها حتى يفرغ منها فله قيراطان، أصغرهما مثل أحد أو أحدهما مثل أحد»([43])، وقوله r: «من تبع جنازة وحملها ثلاث مرات فقد قضى ما عليه من حقها»([44]).

    صفة صلاة الجنازة:

    أن يكبر المصلي أربع تكبيرات؛ فيكبر الأولى ويقرأ الفاتحة، ثم يكبر الثانية ويصلي على النبي rالصلاة الإبراهيمية كما في التشهد، ثم يكبر الثالثة ويدعو للميت، ثم يكبر الرابعة، فإن شاء سلَّم، وإن قال: «اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده»([45])فذلك حسن.

     

    وقت الصلاة على الجنازة:

    تشرع الصلاة على الجنازة في أي وقت كان، ومن الفقهاء من قال بجوازها في غير أوقات النهي الثلاثة؛ وهي من الفجر وحتى ارتفاع الشمس قيد رمح، ووقت الزوال، ومن اصفرار الشمس حتى الغروب، ويجوز فيما سواها من الأوقات.

    قال عقبة بن عامر: «ثلاث ساعات كان rينهانا أن نصلي فيها، وأن نقبر فيها موتانا؛ حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب»([46]).

    مكان أداء الصلاة:

    واختلف الفقهاء في مكان الصلاة على الجنازة، فاتفقوا على استحباب أدائها في المصلى، وقال البعض بكراهية فعلها في المسجد خوفًا من تلويثه، وإن أُمن ذلك فلا بأس من فعلها فيه([47]).

    من يُصلى عليه:

    تجب صلاة الجنازة على كل المسلمين من أهل القبلة، وفي كل الظروف، وأذكر هنا بعض الحالات:

    - الصلاة على الغائب: تجوز الصلاة على الميت الغائب ما لم يكن من أهل البلد؛ إذ لزم حضوره لو كان من أهلها، وذلك لفعله rوصلاته على النجاشي رضي الله عنه، وكذلك صلاته r  على قبر المرأة التي كانت تَقُمُّ المسجد؛ إذ قال لأصحابه لما علم بموتها: «أفلا آذنتموني»([48])، وهذا المسألة محل خلاف بين الفقهاء، والمروي عن أحمد جواز ذلك في إحدى الروايات عنه([49])، وينبغي وجود دليل للتخصيص إن كان، وليس هناك دليل للتخصيص ردًّا على من قال إن ذلك خاص بالنبي r([50]).

    - الصلاة على الطفل:تجب الصلاة على الطفل، وذلك لفعله rولقوله r: «الطفل يصلى عليه»([51]).

    - الصلاة على السقط: تجب الصلاة على السقط، وهم الذين يولدون قبل أوانهم أو يسقطون من بطون أمهاتهم؛ لقوله r: «والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالرحمة»([52])، وقد اختلف الفقهاء في عمر السقط، والمروي عن أحمد أنه يُصلى عليه بمجرد نفخ الروح فيه، وهي مدة أربعة أشهر([53]).

    - الصلاة على الغالِّ، وقاتل نفسه، وصاحب الدين:تجب الصلاة على من قتل نفسه، وكذلك على الغال الذي غلَّ شيئًا من الغنيمة قبل القسمة في سبيل الله، وصاحب الدين، غير أنه rلم يصل عليهما بنفسه؛ زجرًا للناس وردعًا لمرتكبي المعاصي، في حين أمر rالصحابة أن يصلوا عليه بقوله: «صلوا على صاحبكم»([54]).

    - الصلاة على من قتل حدًّا:تجوز الصلاة على من قتل حدًّا، لفعله rوصلاته على الذي اعترف على نفسه بالزنا، وكذلك المرأة التي اعترفت على نفسها، فأتت وهي حبلى من الزنا، فرجمها وصلى عليها، والحديث عند مسلم وأصحاب السنن([55]).

    - الصلاة على الشهيد:اختلف الفقهاء في مسمى الشهيد وفي الصلاة عليه على قولين:

    1- شهيد الآخرة، وهو كل مَن سُمِّي موته شهادة؛ كالحرقى، والغرقى، والمبطون، والمطعون، والمدافع عن ماله وعرضه ونفسه...

    2- شهيد الدنيا والآخرة، وهو من استشهد في الجهاد.

    وقد اختلف الفقهاء في هؤلاء الشهداء على عدة أقوال، والمروي عن أحمد أنه مَن كان مِن شهداء الدنيا والآخرة (الجهاد)، فإنهم لا يغسلون ولا يصلى عليهم، بل يدفنون بدمائهم كما هم، ولكنه يغسل إن كان عليه أثر النجاسة غير الدم، وإن كان من غير شهداء الجهاد؛ كالغرقى والحرقى وغيرهم من شهداء الآخرة، فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه([56]).

    ترتيب الجنائز:

    يجب ترتيب الجنائز حال الصلاة عليها إذا كان هناك عدة جنائز رجال ونساء وصبيان، وقد اختلف الفقهاء في ذلك على أقوال، والجمهور على أن ترتيبيها كما في الصلاة، فيلي الإمام الرجال مباشرة ويأتي بعدهم الصبيان ويكون النساء أقرب للقبلة([57]).

    وقوف الإمام:

    اختلف الفقهاء في محل وقوف الإمام من الجنازة حال الصلاة عليها على عدة أقوال، والمروي عن أحمد أن يقف الإمام عند رأس الرجل ووسط المرأة([58]).

    الأدعية المأثورة في صلاة الجنازة:

    هناك الكثير من الأدعية المأثورة في صلاة الجنازة وبعدة صيغ مختلفة كلها حسن، واتفق الأئمة الأربعة على أنه ليس هناك دعاء معين بذاته، مع أفضلية الأدعية الواردة في السنة المطهرة، ومنها:

    1- قوله r: «اللهم اغفر لحيِّنا وميِّتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده»([59]).

    2- قوله r: «اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، وأغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار»([60]).

    3- وقوله r: «اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت هديتها إلى الإسلام، وأنت قبضتها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئنا شفعاء فاغفر له»([61]).

    4- وقوله r: «(اللهم اجعله لوالديه ذخرًا وفرطًا وسلفًا)، وأجرًا، اللهم ثقِّل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم، وقِهِ برحمتك عذاب الجحيم»([62]).

    5- وقوله r: «اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك، كان يشهد ألا إله إلا أنت وأن محمد عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسنًا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئًا فتجاوز عن سيئاته، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده»([63]).

    6- وقوله r: «اللهم إن فلان ابن فلانة في ذمتك وحبل جوارك، فقِهِ فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحمد، اللهم اغفر له وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم»([64]).

    من فاته شيء من التكبيرات:

    اختلف الفقهاء فيمن فاته شيء من صلاة الجنازة على عدة أقوال، والمروي عن أحمد أن من فاته شيء من صلاة الجنازة ووجد الإمام قد سبقه، فإنه يكبر ويدخل في الصلاة مباشرة، ولا ينتظر حتى يكبر الإمام، ثم يقضي بعد سلام الإمام ما فاته على صفته؛ بأن يقرأ الفاتحة بعد أول تكبيرة بعد سلام الإمام وهكذا، وذلك ما لم ترفع الجنازة، فإن خيف رفعها كبر تكبيرات متتابعات دون دعاء، وعنه يجوز له أن يسلم دون قضاء الفائت([65]).

    من سنن حمل الجنائز:

    1- من السنة في حمل الجنازة اغتسال مغسل الميت، ووضوء حامل الجنازة؛ لقوله r: «من غسل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ»([66])، والمقصود أن من غسل الميت لا يؤمَن عليه النجاسة من تطاير رشاش الماء، لذا لزمه الغسل حتى يطهر، أما من حمل الجنازة فلزمه الوضوء استعدادًا للصلاة عليها، والمسألة محل خلاف.

    2- من السنة في حمل الجنازة القيام لها حين تمر حتى تخلف المجلس، ومن تبعها لا يجلس إلا بعد وضعها، لقوله r: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا حتى تخلفكم أو توضع»، وفي رواية زيادة: «فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع»([67])،  والمسألة محل خلاف.

    3- من السنة في حمل الجنازة عدم اتباعها بصوت أو نار، لقوله r: «لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار»([68])، والمقصود أي: لا تتبع بصوت نياحة، ولا بنار مجمرة (مبخرة).

    4- من السنة في حمل الجنازة الإسراع بها برمل بسيط، بحيث لا تتعرض الجنازة للسقوط، لقوله r: «أسرعوا بالجنازة، فإن كانت صالحة فقربتموها إلى الخير، وإن كانت غير ذلك كان شر تضعونه عن رقابكم»([69]).

    5- من السنة في حمل الجنازة التربيع، وهو حملها من جميع جوانب السرير إن استطاع المسلم ذلك ولم يكن هناك مشقة، لقوله r: «من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها، فإنه من السنة، ثم إن شاء فليتطوع وإن شاء فليدع»([70]).

    والطريقة هي: أن يبدأ فيحمل الجنازة من القائمة الأمامية اليمنى على كتفه الأيمن، ثم القائمة اليمنى الخلفية، ثم القائمة اليسرى الأمامية على كتفه الأيسر، ثم القائمة الخلفية([71]).

    ***

     

    القسم الثاني

    بعض الأحكام

    الزيادة في التكبير:

    اختلف الفقهاء في زيادة عدد التكبيرات في صلاة الجنازة أكثر من أربع على عدة أقوال، والجمهور على أنها أربع فقط ولا يزاد عليها في إحدى الروايات عن أحمد، وهي التي وافق فيها الثلاثة الفقهاء، والرواية الأخرى المتابعة إلى خمس تكبيرات، والرواية الثالثة يتابع إلى سبع، وفي جميع الحالات لا يفارق الإمام بل يسلم معه([72]).

    تعدد الجنائز حال الصلاة:

    اختلف الفقهاء في مسألة تعدد الجنائز والصلاة لم تفرغ بعد، والمروي عن أحمد أنه إن كبر الإمام على جنازة فجيء بأخرى كبر التكبيرة الثانية عليهما، ثم إن جيء بالثالثة كبر الثالثة عليهن، ثم إن جيء برابعة مثلاً كبر الرابعة عليهن جميعًا، ثم يتمم سبع تكبيرات ليحصل للجنازة الرابعة أربع تكبيرات، ويقرأ في التكبيرة الرابعة الفاتحة، وفي الخامسة الصلاة على النبي، وفي السادسة الدعاء للأموات، وفي السابعة السلام، لتكمل جميع الأركان لجميع الجنائز([73]).

    تكرار الصلاة:

    اختلف الفقهاء في تكرار صلاة الجنازة على الميت الواحد على عدة أقوال، والمروي عن أحمد أنه يجوز الصلاة على الجنازة لمن لم يصل أولاً ولو بعد الدفن، ويكره إعادتها لمن صلى أول مرة مع الجماعة([74]).

    الصلاة على القبر:

    اختلف الفقهاء في الصلاة على القبر لمن فاتته صلاة الجنازة أول مرة مع الجماعة على أقوال، والمروي عن أحمد أنه يجوز الصلاة على القبر، ولو بعد الدفن لمن فاتته الصلاة عليها([75])، ثم إنهم اختلفوا في المدة التي تجوز فيها الصلاة على القبر لمن فاتته، فقيل مدة أقصاها شهر، وهو المروي عن أحمد، استنادًا لفعله rلما صلى على أم سعد بن عبادة بعد دفنها بشهر([76]).

     

    انعدام الرجال في الغسل والصلاة:

    الجمهور على أن الميت إذا مات ولم يحضره إلا النساء أو ميتة لا يحضرها إلا الرجال، لا يغسل، بل يكتفى بأن ييمم، وهو مروي عن أحمد ويصل التيمم إلى (الكوع)([77])، وإذا كُنَّ نساءً يصلين على الرجل جماعة وإمامهن وسطهن([78]).

    أما مسألة (غسل الرجل إحدى محارمه غير زوجته) فالمروي عن أحمد عدم الجواز([79]).

    موت الحامل:

    اختلف الفقهاء في الحامل تموت، والمروي عن أحمد إن ماتت وولدها يتحرك ورجيت حياته سطت عليه القوابل فأَخْرَجَته، ولا يشق بطنها؛ لأن فيه هتكًا لحرمة متيقنة لإبقاء حياة موهومة، فإن لم يخرج تركت حتى تموت ثم تدفن، ويحتمل أن يشق بطنها إن غلب على الظن أنه يحيا؛ لأن حفظ حرمة الحي أولى([80]).

    نقل الميت قبل الدفن:

    اختلف الفقهاء في مسألة نقل الميت قبل الدفن، والمروي عن أحمد أن نقله إلى غير بلده من غير حاجة مكروه؛ لأنه أذى للميت وللأحياء من غير فائدة([81]).

    دفن الجنازة ليلاً:

    الجمهور على أن دفن الجنازة ليلاً جائز، قال ابن عباس: «صلى النبي rعلى رجل بعد ما دفن بليلة، قام هو وأصحابه، وكان سأل عنه فقالوا: فلان دفن البارحة، فصلوا عليه»([82]).

    عدد الأموات في القبر:

    السنة ألا يدفن في القبر الواحد إلا ميت واحد، إلا إذا دعت الحاجة لذلك، وإن حصل ذلك يقدم أكثرهم حفظًا للقرآن فيقدم في اللحد، وإن استووا بدأ بأفضلهم وبأكبرهم، ويجعل بين كل اثنين تراب حاجز وكأن كلاًّ منهم في قبر، وإن اختلفت الجنائز قدم الرجل ثم الصبي خلفه ثم المرأة خلفه، يجعل بين كل اثنين تراب، ويجوز أن يدفنوا كالنهر؛ بحيث يكون رأس الأول عند رجل الثاني يفصل بينهم التراب([83]).

    من سنن الدفن والقبر:

    1- من السنة عند الدفن أن اللحد أفضل من الشق، لقوله r: «اللحد لنا والشق لغيرنا»([84]).

    2- من السنة عند إدخال الميت القبر قول ما ورد عنه r: «بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله»، وفي رواية: «وعلى سنة رسول الله»([85]).

    3- من السنة عند الدفن إدخال الميت القبر من جهة رأسه ورش القبر بالماء بعد دفن الميت، قال أبو رافع: «سل رسول الله rسعدًا ورش على قبره ماءً»([86])، وقال ابن عباس: «سل رسول الله rمن قبل رأسه»([87]).

    4- من السنة في دفن المرأة أن يدخلها القبر أحد محارمها، أو رجل لم يصب من أهله ولم يجامع تلك الليلة، قال أنس: شهدنا بنت رسول الله تدفن ورسول الله rجالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان فقال: «هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة؟» فقال أبو طلحة: أنا، قال: «فانزل في قبرها» فنزل في قبرها فقبرها([88]).

    5- من السنة عند الدفن وضع الميت في قبره على جنبه الأيمن متوجهًا القبلة، ويوضع تحت رأسه حجر أو كومة تراب، ثم تحل العقد، قال r: «... البيت الحرام قبلتكم أحياءً وأمواتًا»([89]).

    6- من السنة المأمور بها عند القبور عدم تجصيص القبر أو البنيان أو الجلوس أو الكتابة عليه، أو أن يتخذ طريقًا يوطأ، قال r: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر»([90]).

    وقال جابر: «نهى رسول الله rأن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه»، وفي رواية: «وأن يكتب عليها وأن توطأ»، وفي رواية: «أو يزاد عليه»([91]).

    7- من السنة عند الدفن حثو ثلاث حثوات من تراب على القبر، قال أبو هريرة: «إن رسول الله rصلى على جنازة ثم أتى قبر الميت فحثا عليه من قبل رأسه ثلاثًا»([92]).

    8- من السنة حال الدفن عدم السير على القبر بالنعال، قال رسول الله rلما نظر رجلاً يمشي على القبور وعليه نعلان قال r: «يا صاحب السبتيتين، ويحك ألق سبتيتيك» فنظر الرجل، فلما عرف رسول الله rخلعهما فرمى بهما([93]).

    9- من السنة جعل الإذخر على قبر الميت بعد دفنه إن تيسر؛ يرجع ذلك لفعله rلما أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين ووضعهما على القبرين، وقال r: «لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا»([94])، وقد رد البعض أن ذلك خاص بالنبي rلأنه علم حال الرجلين من العذاب، وليس لغيره معرفة ذلك، وأن فعله ذلك كان في قبرين قديمين وليس حال الدفن لقبرين جديدين، في حين يقوى قول القائلين([95])بفعل ذلك قوله rلما ذكر حرمة مكة فقال له العباس: إلا الإذخر فإنه لصاغتنا وقبورنا - وفي رواية - لقينهم وبيوتهم، فقال r: «إلا الإذخر»([96]).

    وعمومًا فهذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء، وهي مبسوطة في كتب الفقه، أما مسألة وضع الحشيش أو البرسيم على القبر لمنع تساقط التراب على القبر، قال الفقهاء إنه بهذا القصد لا بأس به.

    10- من السنة بعد الدفن تعليم القبر بالحجر وما أشبه وبدون كتابة عليه ليعرف أنه قبر، قال أنس: «إن النبي rأعلم قبر عثمان بن مظعون بصخرة»([97])، ومن ذلك صيانة القبور عن الامتهان بتسويرها، ومنع المارة والبهائم من وطئها.

    11- من السنة بعد الدفن الدعاء للميت فرادى، قال عثمان: كان النبي إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، وقال: «استغفروا لأخيكم (وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل)»([98]).

    12- اختلف الفقهاء في مسألة تلقين الميت بعد الدفن، وهي أن يقف رجل عند رأس الميت بعد دفنه ويقول: «يا فلان ابن فلانة، اذكر ما خرجت عليه من الدنيا؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا، وبالقرآن إمامًا»([99])، وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فمنهم من قال بجوازه كالحنابلة والشافعية([100])، ومنهم من قال بعدم مشروعيته وأنه بدعة؛ لعدم ثبوت ذلك الأثر عندهم.

    13- اختلف الفقهاء في مسألة القراءة على القبر بعد الدفن، وكذلك عند الزيارة، لما في الآثار: «إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره، وليقرأ عند رأسه بفاتحة الكتاب وعند رجليه بخاتمة البقرة في قبره»([101])، وكذلك: «من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف الله عنهم يومئذ، وكان له بعدد من فيها حسنات»([102])، وقد قال بجواز القراءة على القبر الكثير من الفقهاء؛ الحنابلة والشافعية والحنفية([103])، فيما كره ذلك المالكية([104])، فهي محل خلاف، والقراءة الراتبة (الدائمة) على القبور بدعة لا أصل لها في أصح الأقوال([105]).

    14- من السنة عند زيارة القبور بعد الدفن قول الدعاء المأثور عنه rوهو قوله: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون»([106])، أو قوله r: «السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون»، وفي رواية زيادة: «أسأل الله لنا ولكم العافية»([107]).

    15- ومن السنة المأمور بها منع زيارة النساء للقبور، وعدم بناء المساجد عليها، وعدم وضع السرج على المقابر، قال ابن عباس: «لعن رسول الله rزائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج»([108])، ومسألة زيارة النساء للقبور مختلف فيها، والجمهور على عدم الزيارة.

    نبش القبر والدفن قبل التحلل:

    الجمهور على أن نبش القبر من غير ضرورة حرام، والمروي عن أحمد أنه يحرم من غير ضرورة، وكما يحرم دفن الميت على أخيه الميت قبل أن يتحلل الميت السابق ويصير ترابًا([109]).

    من السنن بعد الدفن:

    1- من السنة بعد الموت مواساة ومساعدة أهل الميت بصنع الطعام لهم، لقوله rلما مات جعفر: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فإنه قد أتاهم أمر يشغلهم»([110])، وقال جرير البجلي: (كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة)([111]).

    2- معرفة أن الموت خير للعبد في جميع الأحوال، لقوله rلما مرت جنازة فقال r: «مستريح أو مستراح منه» قالوا: يا رسول الله، ما المستريح والمستراح منه؟ فقال: «العبد المؤمن يسترح من نصب الدنيا والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب»([112]).

    3- من السنة بعد الموت عدم سب الأموات لثلاثة أسباب؛ الأول: عدم الفائدة من سبهم، والثاني: كون سبهم غيبة ومعصية لله تعالى، والثالث: إيذاء الأحياء من أقارب الميت، وفي النهاية فالكلام فيهم لا ينفعهم بشيء؛ لأنهم قد أفضوا ووصلوا إلى ما عملوا في دنياهم، خيرًا كان أو شرًّا، وقد قال r: «لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا»([113])، وقال r: «لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء»([114]).

    4- من السنة إن ذكر الميت أن يذكر بخير وتذكر محاسنه ويكف عن مساوئه، فذكر المحاسن مجال للاقتداء وإدخال السرور على ذويه، وذكر المساوئ ليس منه أي فائدة سوى إيذاء الأقارب الأحياء، وقد قال r: «اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم»([115]).

    من السنن في التعزية:

    1- قال الإمامان الشافعي وأحمد بمشروعية التعزية قبل الدفن وبعده.

    2- قال الأئمة مالك والشافعي وأحمد الجلوس للتعزية مكروه.

    3- قال الإمام أحمد في التعزية إن شئت أخذت بيد المعزي وإن شئت لم تأخذ بيده (أي: المصافحة حال التعزية).

    4- كره الإمام أحمد التعزية عند القبر إلا لمن لم يعزِّ قبل ذلك.

    5- كره الإمام أحمد التعزية بعد ثلاثة أيام.

    6- قال الإمام أحمد لا بأس بالجلوس قرب دار الميت لاتباع الجنازة أو قد يخرج وليه فيعزيه.

    7- قال الفقهاء بجواز تعزية غير المسلم ولا سيما إن كان رَحِمًا.

    8- ليس للتعزية لفظ معين، وقد اتفق العلماء على لفظين؛ لفظ خاص بالمؤمن وهو «أعظم الله أجرك وأحسن عزاك وغفر لميتك»، وللقريب غير المسلم: «أعظم الله أجرك وأحسن عزاك»، ولا يقال للكافر غير القريب: «أعظم الله أجرك»، بل يعزى بأي لفظ آخر.

    التفاصيل ..

    0
    3275
الأكثر تحميلا
  • التحرش وخطره
  • الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتبعاه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد
    إن من الأخلاق الرزيلة التى تفشت وانتشرت تحرش الشباب بالفتيات بدأ من المعاكسات ومحاولة استمالة قلوبهن واللعب بعواطفهن ، مواجهة أو عبر مكالمة تليفونية أو محادثة عبر الشبكة ، إلى ما هو أبعد من ذلك .
    وكان وراء ظهوره وانتشاره عدة أسباب منها:-
    1:- ضعف الإيمان وقلة الوازع الدينى ، فالقلب يستنير بالإيمان والطاعة ، وعندها تؤلمه أصغر المعاصى ، ويخاف العبد أن يطفأ نوره بظلمه المعصية ، وفي الصحيح من حديث ابن مسعود( قال : جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال : يارسول الله إنى عالجت امرأة في أقصى المدينة وإنى أصبت منها ما دون أن أمسها فأنا هذا فاقضى فيّ ما شئت ...الحديث) فاعتقد أن ما فعله أكبر من كل عقوبه.
    2:- الغفلة عن مراقبة الله تعالى ،وهو المطلع على العباد يرى أعمالهم ويسمع أقوالهم ، ويعلم ما تكنه صدورهم ، ولا يخفي عليه شئ من أمرهم ، وسيجازى كلا بما قدم قال تعالى (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) وقال(يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) وقال(اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ومراقبة العبد لربه درع حصين بينه وبين معصيته ، فمن دعته نفسه إلى معصية فليتذكر نظره إليه ، وليخاطبها بقوله الله يرانى .
    ولو أيقن العبد أن الله يراه لاستحيا منه ، ولو أيقن أن الله يراه لخافه ولكنها الغفلة ودليل ذلك ما جاء في الصحيح من حديث بن عمر في قصة أصحاب الغار من بنى إسرائيل حين انقلبت عليهم صخرة سدت عليهم بابه فقالوا: إنه لا ينجيكم مما أنتم فيه إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم ، وكان من بينهم رجل كان قد راود امرأة عن نفسها فامتنعت حتى ألمت بها سنة من السنين فجاءته وطلبت منه مائة وعشرين دينارا ، فاشترط عليها أن تمكنه من نفسها فوافقت من أجل حياتها ، فلما جلس منها مجلس الرجل من أهله قالت : اتق الله ولا تفضى الخاتم الا بحقه عندها ذكر الله وانزاح عنه حجاب الغفلة وخاف الله فتركها والمال الذى أعطاها.
    ذكروا أن رجلا أكره امرأة على نفسها ،وأمرها بغلق الأبواب ثم قال لها : هل بقي باب لم يغلق قالت نعم الباب الذى بيننا وبين الله فلم يتعرض لها .
    3:- الغفلة عن الآخرة وما أعد من العذاب لأهل الشقاء والعصيان ، وقد حفت الجنة بالمكارم كما حفت النار بالشهوات ، فبئس لذة وهمية عاجلة أورثت صاحبها ندما وذلا مع حرمان صاحبها لذة حقيقية أخروية أبدية ، فأى لذة في الدنيا تستحق أن تضيع بها لذة ونعيم الآخرة ، بل وما قيمة الدنيا وما فيها بالنسبة للجنة وما فيها ، لموضع صوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ، ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه .
    روى مسلم بسنده عن أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في النار صبغة ثم يقال ياابن آدم هل رأيت خيرا قط ، هل مر بك نعيم قط فيقول لا والله يارب ، ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ في الجنة فيقال له ياابن آدم هل رأيت بؤسا قط ، هل مر بك شدة قط فيقول لا والله يارب ، ما مر بى بؤس قط ولا رأيت شدة قط .
    فيالله من غمسة في النار تنسي نعيم الدنيا وإن طال ، ويالله من غمسة في الجنة تنسي مرارة الدنيا وإن طالت ، فلو علم العبد العاصى ما أعد لأهل العصيان من النار وشدة حرها والزقوم ونتنه والضريح وقبحه والحميم الذي يصهر به ما في البطون والجلود ما أقدم على المعصية ولكنها الغفلة .
    4:- غفلة العبد أنه كما يدين يدان ، وبالكأس الذى سقى منه يشرب ويزاد ، والجزاء من جنس العمل ، وما يفعله بأعراض الآخرين سيفعل بعرضه فإن لم يكن عند العبد دين يكفه عن أعراض الخلق وحرماتهم فليكن عنده عقل يمنعه .
    أنشد بعضهم قائلا
    عِفُّوا تعِفَّ نساؤكم في المحرمِ ***وتجنَّبُوا ما لا يليقُ بمسلمِ .
    إنَّ الزِّنا دَينٌ إذا أقرضتًه ***كان الوفا مِن أهلِ بيتِك فاعلمِ .
    يا هاتكًا حُرمَ الرجالِ وقاطعًا *** سُبلَ المودةِ عشتَ غيرَ مُكرَّمِ .
    لو كنتَ حرًّا مِن سُلالةِ ماجدٍ ***ما كنتَ هتَّاكًا لحرمةِ مُسلمِ .
    من يزنِ يُزنَ به ولو بجدارِه *** إن كنتَ يا هذا لبيبًا فافهمِ.

    كتبه

    أ.د/ ممدوح محمد أحمد
    أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر

    التفاصيل ..
    0
    252
  • لا تدفعوا عذاب الله بأيديكم
  • كان الحسن البصري يقول :"إن الحَجّاج عذاب الله، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم، ولكن عليكم بالاستكانة والتضرع ، فإن الله تعالى يقول :{وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} إنجاز الدعوية - وتزودوا المؤمنون / 76 .

    وكان طلق بن حبيب يقول : "اتقوا الفتنة بالتقوى، فقيل له : أجمل لنا التقوى . فقال : أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو رحمة الله ، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عذاب الله " رواه أحمد وابن أبي الدنيا.

    وكان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة، كما كان عبدالله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث.

    اللهم ارشدنا للصواب واحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

    التفاصيل ..
    0
    327
  • الحكمة من تخلية الله سبحانه وتعالى بين العبد وبين الذنوب.
  • الحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله ، وعلى آله وصحبه .
    أما بعد.
    فقرأت اليوم للإمام ابن القيم رحمه الله هذه الكلمات النيرات، ومدارها على عبدٍ خلَّى الله تعالى بينه وبين ذنوبه، فوقع فيها وارتكب ما حرمه الله عليه، ثم بعد ذلك تاب إلى الله وأناب إليه، وخشيه في السر والعلن، وخاف على نفسه أن يعاقبه الله تعالى على هذه الذنوب، فندم أشد الندم، وإن بعض إخواننا وأخواتنا، ممن يخافون الله تعالى قد تجلب لهم مثل هذه الذنوب النكد والهم والغم، والتحسر الشديد، فهذه الكلمات خطاب لهم.
    أما الإخوة والأخوات الذين لا يبالون بالذنوب ولا يعرفون لها قدر، وقد نزع الله من قلوبهم الخشية والرحمة والخوف ، فهؤلاء لا سبيل لهم في هذه الكلمات، هدانا الله وإياهم لكل خير، وهذه مقدمة بين كلام ابن القيم رحمه الله حتى لا يفهمه أحد أنه دعوة للوقوع في الذنوب والمعاصي ، والله أعلم.
    ** قال ابن القيم رحمه الله في كتابه الماتع " طريق الهجرتين" ص(286- 292):" الحكمة في تخلية الله سبحانه وتعالى بين العبد وبين الذنب وإقداره عليه وتهيئة أسبابه له وأنه لو شاء لعصمه وحال بينه وبينه، ولكنه خلى بينه وبينه لحكم عظيمة لا يعلم مجموعها إلا الله:
    * أحدها:  أنه يحب التوابين ويفرح بتوبتهم، فلمحبته للتوبة وفرحه بها قضى على عبده بالذنب ثم إذا كان ممن سبقت له العناية قضى له بالتوبة.
    * الثاني: تعريف العبد عزة الله سبحانه في قضائه ونفوذ مشيئته وجريان حكمه.
    *الثالث: تعريفه حاجته إلى حفظه وصيانته وأنه إن لم يحفظه ويصنه فهو هالك ولا بد والشياطين قد مدت أيديها إليه تمزقه كل ممزق.
    *الرابع: استجلابه من العبد استعانته به واستعاذته به من عدوه وشر نفسه ودعائه والتضرع إليه والابتهال بين يديه.
    *الخامس: إرادته من عبده تكميل مقام الذل والانكسار فإنه متى شهد صلاحه واستقامته شمخ بأنفه وظن أنه وأنه فإذا ابتلاه بالذنب تصاغرت عنده نفسه وذل وتيقن وتمنى أنه وأنه.
    *السادس: تعريفه بحقيقة نفسه وأنها الخطاءة الجاهلة وأن كل ما فيها من علم أو عمل أو خير فمن الله مَنَّ به عليه لا من نفسه.
    *السابع: تعريفه عبده سعة حلمه وكرمه في ستره عليه فإنه لو شاء لعاجله على الذنب ولهتكه بين عباده فلم يصف له معهم عيش.
    *الثامن: تعريفه أنه لا طريق إلى النجاة إلا بعفوه ومغفرته.
    *التاسع: تعريفه كرمه في قبول توبته ومغفرته له على ظلمه وإساءته.
    *العاشر: إقامة الحجة على عبده فإن له عليه الحجة البالغة فإن عذبه فبعدله وببعض حقه عليه بل باليسير منه.
    *الحادي عشر: أن يعامل عباده في إساءتهم إليه وزلاتهم معه بما يجب أن يعامله الله به فإن الجزاء من جنس العمل، فيعمل في ذنوب الخلق معه ما يحب أن يصنعه الله بذنوبه.
    *الثاني عشر: أن يقيم معاذير الخلائق وتتسع رحمته لهم مع إقامة أمر الله فيهم فيقيم أمره فيهم رحمة لهم لا قسوة وفظاظة عليهم.
    *الثالث عشر: أن يخلع صولة الطاعة والإحسان من قلبه فتتبدل برقة ورأفة ورحمة.
    *الرابع عشر: أن يعريه من داء العجب بعمله كما قال النبي «لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أشد منه العجب» أو كما قال.
    *الخامس عشر: أن يعريه من لباس الإدلال الذي يصلح للملوك ويلبسه لباس الذل الذي لا يليق بالعبد سواه.
    *السادس عشر: أن يستخرج من قلبه عبوديته بالخوف والخشية وتوابعهما من البكاء والإشفاق والندم.
    *السابع عشر: أن يعرف مقداره مع معافاته وفضله في توفيقه وعصمته فإن من تربى في العافية لا يعرف ما يقاسيه المبتلى، ولا يعرف مقدار العافية.
    *الثامن عشر: أن يستخرج منه محبته وشكره لربه إذا تاب إليه ورجع إليه فإن الله يحبه ويوجب له بهذه التوبة مزيد محبة وشكر ورضا لا يحصل بدون التوبة وإن كان يحصل بغيرها من الطاعات أثر آخر لكن هذا الأثر الخاص لا يحصل إلا بالتوبة.
    *التاسع عشر: أنه إذا شهد إساءته وظلمه واستكثر القليل من نعمة الله لعلمه بأن الواصل إليه منها كثير على مسيء مثله فاستقل الكثير من عمله لعلمه بأن الذي يصلح له أن يغسل به نجاسته وذنوبه أضعاف أضعاف ما يفعله فهو دائما مستقل لعمله كائنا ما كان ولو لم يكن في فوائد الذنب وحكمه إلا هذا وحده لكان كافيا.
    *العشرون: أنه يوجب له التيقظ والحذر من مصايد العدو ومكايده ويعرفه من أين يدخل عليه وبماذا يحذر منه كالطبيب الذي ذاق المرض والدواء.
    *الحادي والعشرون: أن مثل هذا ينتفع به المرضى لمعرفته بأمراضهم وأدوائها.
    *الثاني والعشرون: أنه يرفع عنه حجاب الدعوى ويفتح له طريق الفاقة فإنه لا حجاب أغلظ من الدعوى ولا طريق أقرب من العبودية فإن دوام الفقر إلى الله مع التخليط خير من الصفاء مع العجب.
    *الثالث والعشرون: أن تكون في القلب أمراض مزمنة لا يشعر بها فيطلب دواءها فيمن عليه اللطيف الخبير ويقضي عليه بذنب ظاهر فيجد ألم مرضه فيحتمي ويشرب الدواء النافع فتزول تلك الأمراض التي لم يكن يشعر بها ومن لم يشعر بهذه اللطيفة فغلظ حجابه كما قيل:
     لعل عتبك محمود عواقبه *** وربما صحت الأجسام بالعلل .
    *الرابع والعشرون: أنه يذيقه ألم الحجاب والبعد بارتكاب الذنب ليكمل له نعمته وفرحه وسروره إذا اقبل بقلبه إليه وجمعه عليه وأقامه في طاعته فيكون التذاذه في ذلك بعد أن صدر منه ما صدر بمنزلة التذاذ الظمآن بالماء العذب الزلال، والشديد الخوف بالأمن، والمحب الطويل الهجر بوصل محبوبه، وإن لطف الرب وبره وإحسانه ليبلغ بعبده أكثر من هذا فيا بؤس من أعرض عن معرفة ربه ومحبته.
    *الخامس والعشرون: امتحان العبد واختباره هل يصلح لعبوديته وولايته أم لا فإنه إذا وقع الذنب سلب حلاوة الطاعة والقرب ووقع في الوحشة فإن كان ممن يصلح اشتاقت نفسه إلى لذة تلك المعاملة فحنت وأنَّت وتضرعت واستعانت بربها ليردها إلى ما عودها من بره ولطفه وإن ركنت عنها واستمر إعراضها ولم تَحنُّ إلى تعهدها الأول ومألوفها ولم تحسن بضرورتها وفاقتها الشديدة إلى مراجعة قربها من ربها علم أنها لا تصلح لله وقد جاء هذا بعينه في أثر إلهي لا أحفظه.
    *السادس والعشرون: أن الحكمة الإلهية اقتضت تركيب الشهوة والغضب في الإنسان أو بعضها ولو لم يخلق فيه هذه الدواعي لم يكن إنسانا بل ملكا فالذنب من موجبات البشرية كما أن النسيان من موجباتها كما قال النبي :«كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون» ولا يتم الابتلاء والاختبار إلا بذلك والله أعلم.
    * السابع والعشرون: أن ينسيه رؤية طاعته ويشغله برؤية ذنبه فلا يزال نصب عينيه فإن الله إذا أراد بعبد خيرا سلب رؤية أعماله الحسنة من قلبه والإخبار بها من لسانه وشغله برؤية ذنبه فلا يزال نصب عينيه حتى يدخل الجنة فإن ما تقبل من الأعمال رفع من القلب رؤيته ومن اللسان ذكره.
     وقال بعض السلف:" إن العبد ليعمل الخطيئة فيدخل بها الجنة ويعمل الحسنة فيدخل بها النار، قالوا كيف؟ قال: يعمل الخطيئة فلا تزال نصب عينيه إذا ذكرها ندم واستقال وتضرع إلى الله وبادر إلى محوها وانكسر وذل لربه وزال عنه عجبه وكبره، ويعمل الحسنة فلا تزال نصب عينيه يراها ويمن بها ويعتد بها ويتكبر بها حتى يدخل النار".
    *الثامن والعشرون: أن شهود ذنبه وخطيئته يوجب له أن لا يرى له على أحد فضلاً ولا له على أحد حقاً فإنه إذا شهد عيب نفسه بفاحشة وخطأها وذنوبها لا يظن أنه خير من مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، وإذا شهد ذلك من نفسه لم ير لها على الناس حقوقاً من الإكرام يتقاضاهم إياها ويذمهم على ترك القيام بها فإنها عند أخس قدرا وأقل قيمة من أن يكون لها على عباد الله حقوق يجب مراعاتها أو لها عليهم فضل يستحق أن يلزموه لأجله فيرى أن من سلم عليه أو لقيه بوجه منبسط قد أحسن إليه وبذل له ما لا يستحقه فاستراح في نفسه، واستراح الناس من عتبه وشكايته فما أطيب عيشه وما أنعم باله وما أقر عينه، وأين هذا ممن لا يزال عاتبا على الخلق شاكيا ترك قيامهم بحقه ساخطا عليهم وهم عليه أسخط فسبحان ذي الحكمة الباهرة التي بهرت عقول العالمين.
    *التاسع والعشرون: أنه يوجب له الإمساك عن عيوب الناس والفكر فيها فإنه في شغل بعيبه ونفسه وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وويل لمن نسي عيبه وتفرغ لعيوب الناس، فالأول علامة السعادة، والثاني علامة الشقاوة.
    *الثلاثون: أنه يوجب له الإحسان إلى الناس والاستغفار لإخوانه الخاطئين من المؤمنين فيصير هجيرِّاه "رب اغفر لي ولوالدي وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات"، فإنه يشهد أن إخوانه الخاطئين يصابون بمثل ما أصيب به ويحتاجون إلى مثل ما هو محتاج إليه فكما يحب أن يستغفر له أخوه المسلم يحب أن يستغفر هو لأخيه المسلم.
     وقد قال بعض السلف:" إن الله لما عتب على الملائكة في قولهم {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} وامتحن هاروت وماروت جعلت الملائكة بعد ذلك تستغفر لبني آدم ويدعون الله لهم.
    *الحادي والثلاثون: أنه يوجب له سعة إبطائه وحلمه ومغفرته لمن أساء إليه فإنه إذا شهد لنفسه مع ربه سبحانه مسيئا خاطئا مذنبا مع فرط إحسانه إليه وبره وشدة حاجته إلى ربه وعدم استغنائه عنه طرفة عين، وهذا حاله مع ربه فكيف يطمع أن يستقيم له الخلق ويعاملوه بمحض الإحسان وهو لم يعامل ربه بتلك المعاملة وكيف يطمع أن يطيعه مملوكه وولده وزوجته في كل ما يريد وهو مع ربه ليس كذلك وهذا يوجب أن يغفر لهم ويسامحهم ويعفو عنهم ويغضي عن الاستقصاء في طلب حقه قبلهم". ص(286-292).
    هذا والله أسأل أن يرزقنا التوبة وقبولها، والعمل الصالح وقبوله، وأن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا من عباده المخلصين، وحزبه المفلحين، وأوليائه الصالحين، إنه بر رحيم، وصلى الله وسلم وبارك على الرسول الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    كتبه أخوكم
    محمد بن صلاح الصيرفي.
    غفر الله له ولوالديه وللمسلمين.
    13 صفر 1433هـ
    7 يناير 2012م

    التفاصيل ..
    0
    545
قناتنا الرسمية على الفيس بوك
قناتنا الرسمية على يوتيوب
اشترك فى القائمة البريدية
المتصفحون الأن
عدد : 25
الزوار : 15239654